الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ظلال الجدران

بواسطة azzaman

ظلال الجدران

ثامر محمود مراد

 

في الأزقة التي تعبت من تكرار الخطى، تقف الجدران صامتة كحكماءٍ شاخت أعمارهم وهم يراقبون العابرين. ليست الجدران حجارةً فحسب، بل ذاكرةٌ طويلة تمتد في عمق الأيام، وعلى وجوهها تنام حكايات لا يوقظها إلا الضوء حين يمرُّ متعبًا عند المساء.

وعندما يميل النهار قليلًا، تولد على تلك الجدران ظلالٌ خفيفة، كأنها أرواحُ الكلمات التي لم تُقَل. تتطاول حينًا، وتنكمش حينًا آخر، لكنها لا تختفي تمامًا؛ فهي مثل الحقيقة، قد يبهت حضورها، غير أنها تبقى معلَّقة بين النور والعتمة.

في ظلال الجدران نرى ملامح أقدامٍ مرت مسرعة، ووجوهٍ توقفت لحظة لتتنفس الحلم ثم مضت. هناك ظلُّ إنسانٍ حمل قلبه مثقلًا بالأسئلة، وظلُّ آخر ترك ضحكته عالقةً في الهواء قبل أن يختفي في زحام الطرق. كلُّ ظلٍّ هو حكايةٌ قصيرة، وكلُّ حكايةٍ هي أثرُ روحٍ مرَّت من هنا.

غير أن الجدران لا تحكي بصوتٍ عالٍ، فهي تعرف أن الضجيج لا يليق بالأسرار. لذلك تكتفي بأن تُسقِط ظلالها على الأرض كرسائل مبهمة، يفهمها من اعتاد أن يصغي للصمت أكثر مما يصغي للكلمات.

ومع مرور الزمن، تتكاثر الظلال كما تتكاثر الذكريات. بعضها يبهت تحت شمس الأيام، وبعضها يظلُّ واضحًا كأن الضوء اختاره بعناية ليبقى شاهدًا على شيءٍ لا يريد أن يُنسى.

وهكذا تبقى الجدران واقفة، لا لأنها لا تستطيع الرحيل، بل لأنها تعلّمت أن العالم يحتاج دائمًا إلى من يحفظ آثاره. أما الظلال، فهي اللغة الخفية التي تكتب بها الحياة قصصها على صفحات الضوء.

فإذا مررت يومًا بجدارٍ قديم، فلا تنظر إليه ككتلةٍ من الطين أو الحجر؛ انظر إلى ظله… فربما كان هناك إنسانٌ ما زال واقفًا فيه، ينتظر من يقرأ حكايته.

 

 


مشاهدات 40
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/03/28 - 12:06 AM
آخر تحديث 2026/03/28 - 1:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 87 الشهر 22571 الكلي 15214639
الوقت الآن
السبت 2026/3/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير