تجربة العذاري الفنية تشكّلت من ذاتها: جعلتُ الخزف مساحة إلتقاء بين الرسم والنحت
بابـل - كاظـم بهَـيّــة
بدأت حياتها الفنية، فاختارتُ أن يكون الفن مسارها ورسالة حياتها ، فاصبح فن الرسم،هوايتها المفضلة، تمارسه وتدرّسه بشغف، مؤمنةً بأن الخط الأول هو النواة التي تنطلق منها كل التجارب البصرية اللاحقة ،حتى دخولها معهد الفنون الجميلة عام 2004 ،ظهرت أعمالها عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ، حملت خلالها تجربتها الفنية إلى جمهور أوسع، مؤمنةً أن الفن الصادق يصل دون تكلّف . في عام 2023 أصرت ان تواصل تطوير مسيرتها الأكاديمية ،حتى دخلت كلية الفنون الجميلة - قسم الخزف، لتعّمق فهمها للمادة، ولتمنح تجربتها بعدًا معرفيًا وتقنيًا أكثر رسوخًا ، وبدأت المرحلة الاخرى مرحلة الاعتراف ، لقد أثبتت بصدق جدارتها واخلاصها وحبها لفن النحت والخزف ، من خلال تواصلها وعطائها الثر في مشاركاتها الفاعلة في المعارض التي تقام في المشهد التشكيلي البصري ، إنها الفنانة هيام العذاري التقيتها في هذا الحوار حول تجربتها ورؤاها الفنية :
□ ماهو النحت بالنسبة لي ؟
النحت بالنسبة لي علاجًا للروح ، هو ليس مجرد تشكيل لمادة صمّاء بل هو حوار صامت بين اليد والفكرة ، تفريغ للطاقة التي لا تستطيع الكلمات حملها. تحويل الإحساس إلى كتلة إلى ملمس إلى ظلّ ونور. هو تجميد لحظة شعورية في جسدٍ من طين أو حجر وهو سيطرة على الفوضى. صبر طويل تأمل عميق. وصدق داخلي لا يمكن تزويره ، النحت حوارٌ صامت بين اليد والفكرة اليد تتحسّس، تضغط، تزيل تضيف، لكن القرار الحقيقي يولد في الداخل؛ في مساحةٍ خفيّة بين الشعور والتأمّل. النحت أيضًا تمرين على الصبر والانضباط. فالعمل النحتي لا يُستعجل؛ هو عملية تراكمية، طبقة فوق طبقة، قرار بعد قرار. وكل خطأ هو درس، وكل تعديل هو اقتراب من الحقيقة.
قرار مهني
□ لكل تجربة بداية… كيف تصفين لنا تجربتكِ مع النحت؟
بدأتُ النحت بدافعٍ داخلي لم أكن أستطيع تسميته آنذاك ،لم يكن قرارًا مهنيًا بقدر ما كان انجذابًا غامضًا نحو الطين؛ نحو تلك الكتلة الباردة الصامتة التي شعرتُ أمامها بأن شيئًا في داخلي يجد مكانه الطبيعي. كانت البداية بسيطة، محاولة أولى غير مكتملة، لكنني منذ اللمسة الأولى أدركت أنني لا أتعامل مع مادة، بل مع مساحة حوار بيني وبين ذاتي ، في البدايات، كان التشكيل أقرب إلى اكتشاف نفسي عبر الكتلة. كل عمل كان سؤالًا: ماذا أريد أن أقول؟ وكل مجسّم كان محاولة للإجابة. لم أكن أبحث عن الكمال بقدر ما كنت أبحث عن الصدق؛ أن يكون الأثر الخارج من يدي انعكاسًا حقيقيًا لما أشعر به في الداخل ، تعلمتُ مبكرًا أن النحت لا يمنحك نتائجه بسهولة، هو فنّ الصبر والمواجهة. الطين يختبر هدوءك، والحجر يختبر قدرتك على الاحتمال. ومع كل تعثر أو انهيار لقطعةٍ لم تكتمل، كنت أتعلم درسًا جديدًا: أن الجمال لا يولد دفعة واحدة، بل عبر محاولات متكررة، وعبر أخطاء تُهذّب اليد والرؤية معًا مع الوقت، أصبحتُ أميل إلى التفاصيل الدقيقة، إلى نحت الوجوه والأيدي، لأنني أجد فيها صدق التعبير الإنساني. التجاعيد الخفيفة، انحناءة الإصبع، النظرة المائلة ، هذه التفاصيل الصغيرة تحمل قصصًا كاملة. أشعر أنني حين أنحت وجهًا، لا أبحث عن ملامحه فقط، بل عن روحه؛ عن الإحساس المختبئ خلف السطح .
□ هل أثّر في تجربتكِ النحتية فنانٌ ما؟
-إن تجربتي النحتية تشكلت من ذاتي اولا وأخيرا وحتى حين أختزل الشكل، فإنني لا أختزل الفكرة؛ بل أتركها تتكثف في خطوط أقل، وكتلة أهدأ، وتعبير أعمق. ما أقدّمه ليس صدىً لمدرسة، بل محاولة مستمرة لبلورة رؤيتي الخاصة، والبحث عن هويتي الفنية داخل كل وجهٍ أنحته.إن اختياري ألا أتأثر بفنان بعينه لم يكن موقفًا واعيًا ضد أحد، بل كان انسجامًا مع طبيعتي. أنا أجد مرجعيتي في تجربتي الخاصة، في تفاصيل حياتي، في أفكاري وتأملاتي، في علاقتي المباشرة مع المادة. كل عمل يخرج من يدي هو امتداد لحالتي النفسية والفكرية في تلك اللحظة .
□ ماذا أعطاك فن النحت وماذا اخذ منك ؟
-فنّ النحت أعطاني الكثير، ولم يأخذ مني شيئًا.النحت علّمني أولًا كيف أصقل نفسي قبل أن أصقل المادة ،تعلّمت أن لا أستعجل النتائج، وأن أترك لكل فكرةٍ زمنها، ولكل تجربةٍ مساحتها حتى تنضج. أصبحت أكثر هدوءًا، أكثر إنصاتًا، وأكثر تقبّلًا لمراحلي المختلفة.حتى في أمومتي، وجدت أثر النحت واضحًا. تعلّمت أن التعامل مع أطفالي يحتاج إلى الحسّ ذاته: الصبر، الملاحظة، احترام خصوصية التكوين. لا أتعامل معهم كأشكال أفرض عليها ملامح جاهزة، بل ككيانات تنمو بهدوء، تحتاج رعاية وتوجيهًا دون قسوة. وكما أحرص أن أخرج أفضل ما في الكتلة، أحرص أن أرى وأدعم أفضل ما فيهم ،النحت منحني وعيًا أعمق بذاتي، وبالإنسان، وبالزمن. منحني مساحة للتأمل، ولتفريغ الطاقة، ولتحويل الانفعال إلى جمال. لذلك أقول إنه أعطاني ولم يأخذ مني؛ لأنه لم يستنزفني، بل أعادني إلى نفسي أكثر نضجًا واتزانًا .
□ ايهما تفضلين اكثر : الشكل ام الفكرة في مخلوقاتك النحتية ؟
- في النحت لا أبحث عن الشكل ،بقدر ما أبحث عن الفكرة المختبئة داخلها . أحول الكتلة الى سؤال ، والفراغ الى معنى ، وأترك للجمال أن يولد من افكار غريبة ترفض أن تبقى صامتة . اقوم بتطويع السطح ، بالحفر والاضافة والبناء الطبقي ، حتى يصبح الشكل امتدادا لإحساسي الداخلي ، لامجرد هيئة خارجية ، لكل انحناءة معنى ، ولكل أثر اصبع ذاكرة ، هكذا يصبح الخزف مساحة التقاء بين الرسم والنحت ، بين التخطيط والعفوية ، وبين الفكر واليد . لذلك لايمر عمل دون أن يحمل بصمتي النحتية الخاصة ، فكل قطعة هي حوار طويل بيني وبين الطين ، بين ما اتخيله وما تسمح به المادة ، حتى يولد الشكل الاخير .
□ ارى الخزف بطينته وألوانه قريبا لروحيتك هل توافقين الراي ؟
- نعم ..اعتمدت الخزف وطينته بوصفهما الوسيط الاقرب الى روحي وذاكرتي البصرية ، فكانت الطينة ليست مجرد مادة للتشكيل ، بل لغة أعبربها عن افكاري النحتية ، لايمرعمل دون أن أبدأ برسم فكرته وتخطيط ملامحه ، ثم اترجم تلك الخطوط الى كتل مجسمة أضيف إليها لمستي النحتية الخاصة ، وهكذا يغدو الخزف عندي مساحة للحوار بين الرسم والنحت ، بين الفكرة والمادة .
* الى أي شيء تميل منحوتاتك دائما ؟
-احب نحت التفاصيل الدقيقة ولا أميل للتجريد الا قليلا ، احببت النحت للأنه يخرج مني طاقة وافكار عند ملامستي للطين ، فالطين اعتبره كعلاج روحي لذاتي المشغولة دائما بالافكار، فبرودة ملمس الطين تأخذني الى عالمي الخاص العالم المتلىء بالتفاصيل الدقيقة، أميل جدا لنحت الوجوه والايدي والنساء المكتنزات لما لهن من جاذبية كونية متصلة بالارض ،فهي تذكرني بمنحوتات القرى العراقية القديمة التي نحتتها الامهات العراقيات آنذاك .