الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سجاد الغازي.. شيخ الصحافة العراقية وذاكرتها

بواسطة azzaman

سجاد الغازي.. شيخ الصحافة العراقية وذاكرتها

محمد علي محيي الدين

 

يُعدّ الأستاذ سجاد الغازي واحدًا من أبرز أعلام الصحافة العراقية والعربية في القرن العشرين، واسمًا اقترن بتاريخ المهنة وتشريعاتها وأخلاقياتها، لا بوصفه صحفيًا فحسب، بل شاهدًا فاعلًا على تحوّلات كبرى مرّ بها العراق والمنطقة. فهو لم يكن توقيعًا في صحيفة، بل تجربةً مهنية متكاملة، تختصر حقبةً كاملة من العمل الصحفي الجاد والمسؤول.

وُلد الغازي في بغداد عام 1930 في أسرةٍ مثقفة ذات حضور وطني، كان والده إسماعيل غازي ضابطًا متخرجًا من إسطنبول ومشاركًا في الحرب العالمية الأولى وحروب البلقان وليبيا، ومالكًا لمكتبة وأرشيف نادرين. وفي هذا المناخ تشكّلت شخصية سجاد الغازي، فشبّ على احترام المعرفة والانضباط، وارتبط مبكرًا بالشأن العام.

قصائد حماسية

دخل معترك العمل الوطني والإعلامي في سنٍ مبكرة، وبرز اسمه خلال وثبة كانون الثاني 1948، حين كان يخطب في التظاهرات ويلقي القصائد الحماسية ضد معاهدة بورتسموث، الأمر الذي عرّضه للاعتقال أكثر من مرة. وفي منتصف الأربعينيات بدأ الكتابة في الصحافة، ثم التحق عام 1948 بجريدة “لواء الاستقلال” المعارضة، لسان حال حزب الاستقلال، حيث تدرّب على يد الروّاد، وأصبح لاحقًا أصغر سكرتير تحرير في الصحافة العراقية آنذاك.

تنوّعت محطات عمله الصحفي بين عدد كبير من الصحف والمجلات السياسية والثقافية والفنية، وأسّس مطبوعه المستقل، وعمل في البرامج الإذاعية الوثائقية، جامعًا بين التحرير والإخراج الصحفي، وهو جانب تميّز به على مدى عقود. وقد عُرف عنه إشرافه المباشر على تصميم وإخراج الصحف والمجلات التي تولّى إدارتها أو الإشراف عليها، في زمن كان الإخراج الصحفي فيه جزءًا من الهوية الفكرية للمطبوع.في المجال النقابي، انتُخب عضوًا في مجلس نقابة الصحفيين العراقيين عام 1960 ضمن تشكيلة ترأسها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، واستمر في العمل النقابي ستة عشر عامًا متواصلة. وأسهم في إعداد عدد من القوانين واللوائح الأساسية، من بينها لائحة تقاعد الصحفيين، وقانون النقابة، ونظام نادي الصحفيين. كما كان له دور محوري في اتحاد الصحفيين العرب، حيث شارك في إعداد أنظمته الأساسية والمالية، وتشريعات مهنية ظلّ كثير منها معمولًا به لعقود طويلة.

مسيرة مهنية

ومن المحطات المهمة في مسيرته المهنية المتأخرة، عمله في بيت الحكمة ببغداد، حيث تولّى إدارة تحرير مجلة “الحكمة”، والإشراف الفني على مجلات الأقسام العلمية، إضافة إلى مجلة “فيض الحكمة”، حتى نهاية عام 2009. وفي هذه المرحلة، مثّل مرجعًا مهنيًا ومعرفيًا لجيلٍ جديد من الصحفيين والباحثين.أغنى الغازي المكتبة العربية بعدد كبير من المؤلفات والدراسات التي تناولت تاريخ الصحافة العربية والعراقية، وتشريعاتها، وحقوق ومسؤوليات الصحفيين، والتكنولوجيا الإعلامية، وحرية الرأي، فضلًا عن دراسات أُنجز بعضها بتكليف من منظمات صحفية دولية وبرعاية اليونسكو. وقد نال على هذا العطاء تكريمات وأوسمة عربية ودولية عديدة، أبرزها وسام الشرف الصحفي العالمي في براغ عام 1986.

ومن أبرز مآثره الوطنية الخالدة، اقتراحه اعتماد يوم الخامس عشر من حزيران عيدًا للصحافة العراقية، تخليدًا لصدور العدد الأول من جريدة زوراء عام 1869، وهو تقليد ما زال قائمًا حتى اليوم، وأصبح جزءًا من الذاكرة المهنية للصحافة العراقية.

استحق سجاد الغازي لقب “شيخ الصحفيين” بجدارة، ليس لطول سنوات عمله فحسب، بل لالتزامه الأخلاقي ونزاهته وابتعاده عن المساومة. ظلّ صحفيًا حتى في عزلته، يتابع تحوّلات المهنة بعين المعلم الحريص، لا بعين الناقد المتعالي. وبذلك، فإن استذكار سيرته ليس مجرد توثيق لمسار فرد، بل استعادة لمعنى الصحافة بوصفها رسالة ومسؤولية وضميرًا حيًا.

 

 


مشاهدات 65
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/03/14 - 1:28 AM
آخر تحديث 2026/03/14 - 3:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 11477 الكلي 15003546
الوقت الآن
السبت 2026/3/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير