الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رمضان.. الخوف الأول وطمأنينة القلب

بواسطة azzaman

رمضان.. الخوف الأول وطمأنينة القلب

هدير الجبوري

 

في كل عام، ومع أول آذان لمغرب من رمضان، يتسلل الي شعور خفي يمر على القلب: ماذا لو كان هذا آخر رمضان أعيشه؟ فكرة خاطفة لكنها مرعبة، تقف عند حافة الروح وتحدق فيٌ طويلا، كانها تذكرني بهشاشة العمر وسرعة الايام. أرتبك منها، أراقبها وهي تكبر في رأسي، ثم يبدأ الصوم

يبدأ الانشغال بالنية، بالمائدة البسيطة، بالوقت الذي يمضي بين صلاة واخرى، فأجدني أنسى ذلك الخوف شيئا فشيئا. يلهيني الصوم عن سواد افكاري، ويأخذني الى مساحة اكثر نقاء، كأن الجوع نفسه يطهر ما في داخلي من هواجس.

عائلتي صغيرة جدا، تفاصيلنا في رمضان صغيرة ايضا، لا ضجيج فيها ولا ازدحام، ولا تلك الموائد الممتدة التي تلتف حولها الوجوه الكثيرة، ومع ذلك، احاول ان لا أغيب عن مشهد الشهر كما تغيب بعض التفاصيل في البيوت الكبيرة. أتشبث باللحظة، أراقب الضوء عند الغروب، أستمع الى صوت الآذان كأنني اسمعه للمرة الاولى، وربما اشعر بتفاصيل رمضان وحنينه اكثر من غيري، لان المساحة الضيقة تجعل الاحساس أعمق، ولان الفراغ احيانا يضاعف الصدى.

حتى الاغاني التي تحمل روح الشهر تسكنني كما لو كانت جزءاً من تكويني، حين أسمع صوت نجاة الصغيرة وهي تنشد إلهي ما اعظمك في قدرتك وعلاك، اشعر ان للكلمات رائحة، وان للصوت ملمساً اتحسسه في الهواء.هناك خشوع خاص يتسرب من بين النغمات، يعيد ترتيب قلبي بهدوء..وبعد صوت نجاة، يتبدل المشهد في داخلي حين أستمع الى تلاوات عبد الباسط عبد الصمد، أشعر ان الحروف نفسها تصعد الى السماء، صوته لا يمر على الاذن فقط، بل يخترق القلب ويوقظه من غفلته، وكذلك حين تصدح القراءات العراقية بصوت علاء الدين القيسي يكون للمدى نبرة مختلفة، قريبة من روحي، كانها خارجة من أزقة الاعظمية القديمة ،، ومع ابتهالات سيد النقشبندي، يكتمل المشهد الروحي، وترتجف في داخلي مساحات لا يمسها شيء سوى الذكر... وكذلك ذكريات الدراما الرمضانية  مسلسل صيام صيام ورائحة نهاية السبعينات...ومسلسل محمد يا رسول الله، الذي ترك في النفس اثراً لا تمحوه السنوات مهما تزاحمت بعدها الاعمال الدرامية، ومن ينسى صوت ياسمين الخيام فيه وهي تشدو

أنت فينا يا رسول الله في الهدي القويم، كانت تلك الكلمات تسكن البيوت قبل ان تسكن الشاشات، وتدخل القلب قبل ان تخرج من جهاز التلفاز.

الاحساس برمضان يختلف من إنسان لاخر، ومن بيئة لاخرى. ما عشته في بغداد ليس هو ما عشته لاحقاً في الموصل، في بغداد كان لرمضان نكهة تختلط برائحة الازقة العريقة المعروفة وصوت الباعة قبيل الافطار، وفي الموصل وجدت طقوسا اخرى، اكثر هدوءاً احيانا واشد إلتصاقاً بالعادات المتوارثة. التقاليد قد تختلف بين المدينتين، لكن الثابت ان رمضان في كلتيهما يسكن الوجدان بعمق، ويترك اثره الذي لا يبهت.

اجمل ما في رمضان انه يرفعك فوق آلامك، يمنحك قدرة غريبة على التسامي، على نسيان من آذاك في أدق مشاعرك، وتجاهُل من جرحك، والعلو فوق خذلانك.

وانت صائم، تشعر ان روحك أخف، وانك اقرب الى الله من اي وقت مضى. تلتفت الى صلاتك، الى دعائك، الى تلك المساحة الصافية التي لا يدخلها احد سواه، تحس ان الله هو المنقذ من كل ظلم مر بك، وان صومك لم يكن امتناعاً عن الطعام بقدر ما كان خلاصا من أثقال كثيرة.

وفي زحمة هذا الصفاء، تعود بك الذاكرة الى طفولتك ،الى امك وابيك واخوتك، الى رائحة الشاي المهيل التي كانت تتسلل الى انفك وهو يُعد  قبيل المغرب، الى طعم شوربة العدس الذي لا يشبه اي طعم اليوم،وعصير القمر الدين والتمن العنبر العراقي مع المرق الذي كان رمز رمضان في ايام بسيطة لم تعرف بعد الاطباق الغريبة ولا المسميات الاعقد.

الحداثة طالت كل شيء، حتى موائدنا، لكنها لم تستطع ان تنتزع من ارواحنا تلك الذكرى القابعة في الداخل، ذكرى بيت دافئ كان الحب فيه يقدم قبل الطعام.رمضان يتجدد كل عام، نعم ،لكنه في روح كل واحد منا يظل مرتبطا بالعائلة، بوجوه الاحبة، بالحنية التي كانت تسود البيوت قبل ان تبعثرها المسافات وثورة التكنولوجيا.ربما لم تعد العواطف تقال كما كانت، وربما صرنا اقرب الى الشاشات وأبعد في الحقيقة، لكن رمضان يذكرنا كل مرة بان الاصل فينا هو الدفء، وان القلب يعرف طريقه الى الطمانينة مهما طال به الغياب.

وفي أول يوم منه، حين يعود ذلك الخوف القديم ويهمس لي لعلّه الاخير ،ابتسم هذه المرة، واقول في سري:ان كان كذلك، فليكن شاهداً انني عشته بقلب ممتلئ بالايمان، وبحنين لا ينطفئ..

 

 


مشاهدات 56
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/03/08 - 2:37 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 4:02 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 529 الشهر 7767 الكلي 14999836
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير