الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القضية الكُردية في إيران.. ورقة صراع أم فرصة تسوية؟

بواسطة azzaman

القضية الكُردية في إيران.. ورقة صراع أم فرصة تسوية؟

عدالت عبد الله

 

يمكن في كل الأحوال تفهم آيديولوجية الحكومة والنظام السياسي في طهران اللذان تهتمان بوحدة الشعب الإيراني ومكوناته، وتجد في هذه الوحدة شرطاً إستراتيجياً لبناء إيران قوية تواجه التحديات والتهديدات الخارجية، وتدعيم شعوب المنطقة الإسلامية والعربية للتخلص من هيمنة الغرب عامةً وضغوطات الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص على دول المنطقة، فضلاً عن طموح توسيع دائرة الإستقطاب السياسي ضد إسرائيل التي عادةً ما تعتبرها كياناً مغتصباً للأراضي الفلسطينية والعالم الإسلامي.

كما أننا نعي أيضاً أن المشروع الإيراني على الصعيد الداخلي حقق نجاحاً لافتاً في إحتواء المجتمع الإيراني وتوحيده إلى حد كبير، إن كان الأمر يرجع إلى جاذبية وتأثير الآيديولوجية السياسية – الدينية التي تبنتها إيران منذ اندلاع الثورة في عام (1979م) إلى يومنا هذا، أو بفعل ممارسة الإكراه والعنف لدحر أي معارضة داخلية للنظام، خصوصاً أن لإيران الثورة الإسلامية، كما هو مألوف في أدبياتها، أعداء كثر يسعون جاهدين لإستغلال تنوع المجتمع الإيراني وطابعه الفسيفسائي لزرع الفتن والصراعات في البلد وضرب أهداف الثورة.

أما على الصعيد الخارجي فمن الواضح أن المشروع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط لم يفلح في إقناع الدول العربية والإسلامية وكسب دعمهم لفكرة معاداة الغرب وإسرائيل وتصدير الثورة، نظراً لوجود إختلافات آيديولوجية وعرقية ومذهبية وتاريخية تحول دون أن تنفتح وتتفاعل دول المنطقة بوجه المشروع، بل على العكس من ذلك تماماً لم يمر عام واحد على الثورة الإيرانية إلا واُصطدمت بمواجهة غربية وعربية قوية من خلال إشعال نار حرب طويلة الأمد (1980-1988م) إندلعت بين العراق وإيران، وضُرب بها المشروع لدرجة تراجع إلى التمسك بأهداف ثانوية هي قبل أي شيء إدارة الحرب مع نظام صدام حسين المدعوم عربياً وغربياً لإجهاض المشروع الإيراني.

وربما الحرب ذاتها غيرت الحسابات السياسية لدى طهران تماماً وأجبرت القادة في الجمهورية الإسلامية على دعم جماعات وفصائل سياسية ضد بعض دول المنطقة، التي كانت تدعم بغداد في حربها مع إيران، ومن بين أبرز تلك الجماعات الأحزاب الكُردية في العراق وبعض الفصائل الفلسطينية وحركات شيعية معارضة في الخليج وحزب الله اللبناني والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين وما إلى ذلك، الأمر الذي دفع دول الغرب بالتعاون مع دول عربية وعراق البعث في المقابل إلى أن تدعم هي الأخرى قوى إيرانية معارضة وتمولهم وتسلحهم لضرب إيران داخلياً، وكان من بين الجهات المدعومة أحزاب وحركات سياسية كردية في إيران، التي لها خلفية تاريخية في المطالبة بحقوق المكون الكُردي في إيران.

ثورة اسلامية

بمعنى آخر، إن القضية الكُردية كقضية سياسية مشروعة لشعب يعيش على موطنه منذ آلاف السنين قد اُستغلت سياسياً في صراعات المنطقة، لاسيما مع إندلاع الثورة الإسلامية في إيران وسقوط نظام الشاه فيها، ولكن دون أن يكون ثمة إرادة حقيقية، منذ ذلك الحين إلى اليوم، لتسوية هذه القضية لا في العراق ولا في إيران حتى لا تتحول لعامل من عوامل حسم الصراعات والحروب، خصوصاً أن الكُرد معروفون عنهم بقدراتهم القتالية وتشبثهم أيضاً بأي دعم سياسي يحقق لهم حلم الحكم الذاتي وإنهاء المظلومية التاريخية بحقهم كشعب عريق في المنطقة لم ينل حقه في كيان سياسي كبقية شعوب المنطقة والأقوام النظيرة له حتى الآن.

وربما هذه القضية نفسها برزت ثانيةً على المسرح الدولي وفي حسابات أطراف الصراع، خصوصاً مع الملف السوري والحرب الإيرانية - الأمريكية الإسرائيلية، وبدأ إستثمارها لأجندات إقليمية ودولية، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى أن يكون للكُرد الإيرانيين دوراً في الحرب الراهنة ويمثلون جبهة ميدانية لإضعاف النظام السياسي في إيران، في المقابل نلاحظ أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يشيد بدور أبناء كُردستان إيران، الذين رفضوا الرضوخ للفتنة الداخلية ومواجهة الدولة لصالح أعدائها، الأمر الذي حيّر حتى الأحزاب الكُردية الإيرانية التي تراهن عليها أمريكا للدخول في القتال مع النظام الإيراني، وضيّق دائرة خياراتها آخذةً بعين الإعتبار إنعكاسات خيار المشاركة في الحرب على أمن وسلامة الكُرد في إيران وحتى الكُرد في العراق في ظل إستهداف طهران القوي لأي دول أو مناطق تتورط في دعم إسرائيل وأمريكا في الحرب الدائرة حالياً، ما يعني أن ورقة الكُرد باتت صعبة جداً في معادلة هذه الحرب، وقد تتغير طريقة التعاطي معها لدى كل من واشنطن وطهران في آن معاً.

ورقة سياسية

أي أن إيران بدأت تشعر أن مشروعية القضية الكُردية في المنطقة وتشكيل الكُرد لجزء كبير من نسيج المجتمع الإيراني تحتم عليهم إعادة النظر في حل القضية والإعتراف بها تمهيداً لإحراقها نهائياً كورقة سياسية ضد وحدة إيران وشعبه، وهذا يعني أن التحديات التي تواجهها طهران في الحرب ومصادر التهديدات الموجهة لها تستوجب عليها المرونة السياسية مع القضية الكُردية في مرحلة ما بعد الحرب والتفكير في إيجاد حلول سياسية ناجعة ترضي الكُرد وترتقي إلى خصوصية وحساسية قضيتهم في المنطقة دون أن تؤجج لها ذلك نزعات عرقية أخرى لدى بقية مكونات الشعب الإيراني، خصوصاً بعد أن لمست إصرار واشنطن على دعم الكُرد في إيران وإبراز دورهم في الــــــــحرب الراهنة.

 باحث في المركز الأكاديمي للدراسات الوطنية


مشاهدات 48
الكاتب عدالت عبد الله
أضيف 2026/03/07 - 3:30 PM
آخر تحديث 2026/03/08 - 3:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 134 الشهر 6501 الكلي 14960570
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير