الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بأمان أغوال لـ( الزمان): إعادة هندسة التحالفات الخليجية..  السعودية والإمارات بين التقارب المُدار والتنافس المفتوح

بواسطة azzaman

بأمان أغوال لـ( الزمان): إعادة هندسة التحالفات الخليجية..  السعودية والإمارات بين التقارب المُدار والتنافس المفتوح

أورنيلا سكّر

 

تجري صحيفة (الزمان) مقابلة مع باوان أغوال ، الخبير في الشؤون العسكرية والدفاعية والعلاقات الهندية–الإماراتية، يقدّم فيها قراءة معمّقة للتحولات الجارية في العلاقة السعودية–الإماراتية. ويرى أغوال أن ما كان يُنظر إليه سابقًا بوصفه خلافات تكتيكية أو تباينًا في توزيع الأدوار داخل تحالف واحد، بات اليوم يعكس تحوّلًا بنيويًا أعمق في العقائد الأمنية وأولويات النفوذ الإقليمي.من اليمن إلى السودان مرورًا بليبيا، تكشف مؤشرات واضحة عن تآكل نموذج الشراكة التقليدية، وصعود نمط جديد قائم على إدارة التنافس بدلًا من الاندماج الاستراتيجي، مع تداعيات مباشرة على أمن الخليج وتوازناته الإقليمية.

فهل نحن أمام إعادة تعريف للتحالف السعودي–الإماراتي بوصفه تحالف مصالح قابلة للتباعد؟ أم أمام شرخ بنيوي قد يعيد رسم خريطة التحالفات في الخليج والمنطقة؟ فيمايلي نص المقابلة:

برأيك، هل يمكن تفسير التباينات السعودية–الإماراتية في الشؤون الإقليمية على أنها مجرد اختلافات تكتيكية، أم أنها تعبّر عن أزمة ثقة أعمق بين الشريكين الخليجيين؟

- ما بدا في البداية تباينًا تكتيكيًا تطوّر تدريجيًا إلى عجز بنيوي في الثقة الاستراتيجية بين السعودية والإمارات. ففي المراحل الأولى من تعاونهما الإقليمي، لا سيما بعد عام 2015، كان البلدان يختلفان في الوسائل مع الحفاظ على تقارب استراتيجي عام. غير أن التطورات الأخيرة، وخصوصًا في اليمن، تشير إلى أن هذا التباين تجاوز عتبة حرجة.

شكوك عميقة

إن القرار السعودي بمواجهة قوى متحالفة مع الإمارات في اليمن لا يعكس خلافًا حول الأدوات فحسب، بل يكشف عن شكوك عميقة بشأن الأهداف النهائية. فرياض باتت تنظر إلى السلوك الإقليمي لأبوظبي على أنه يفضي إلى إنشاء مراكز قوة مستقلة قد تهدد أمن الحدود السعودية ونفوذها الدبلوماسي. وعندما يبدأ الحلفاء بتحييد شبكات وكلاء بعضهم البعض، فإن المسألة لم تعد تكتيكية، بل تعبيرًا عن تآكل الثقة الاستراتيجية.

كيف تقيّم تأثير الخلافات داخل العائلات الحاكمة على عملية صنع القرار في الرياض وأبوظبي؟ وهل الأمر يتعلق بصراعات شخصية أم بنهج استراتيجي؟

- لا شك أن العلاقات الشخصية تلعب دورًا في الأنظمة الملكية، إلا أن تفسير التباعد السعودي–الإماراتي من زاوية “سياسات الشخصنة” يبقى قاصرًا. فعملية اتخاذ القرار في كل من الرياض وأبوظبي أصبحت شديدة المركزية، لكنها في الوقت نفسه تخضع لمحددات مؤسسية تتعلق بالأجهزة الأمنية، والتخطيط الاقتصادي، والاستراتيجيات الوطنية طويلة الأمد.

في السعودية، يتجه الإجماع الداخلي بشكل متزايد نحو خفض المخاطر، وإنهاء الحروب، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يتماشى مع “رؤية 2030”. وقد بات يُنظر إلى الصراعات الممتدة وديناميات الوكلاء غير المنضبطة على أنها أعباء استراتيجية. في المقابل، كافأ النظام الإماراتي تاريخيًا استراتيجيات الأمن الخارجي، عبر بناء النفوذ من خلال قوى محلية متحالفة، والسيطرة اللوجستية، والتحكم بالمجالات البحرية.

وعليه، فإن ما قد يبدو صراعًا شخصيًا هو في جوهره تباين استراتيجي متجذّر في أولويات الدولة، لا مجرد خلافات عائلية.

وهل تعكس الاختلافات في مقاربة ملفات اليمن والسودان وليبيا تباينًا في الأولويات فقط، أم أنها تشير إلى انهيار الثقة المتبادلة؟

- هي تعكس الأمرين معًا، لكن انهيار الثقة بات أكثر وضوحًا. فاختلاف الأولويات يفسر دعم كل طرف لفاعلين مختلفين: السعودية تميل إلى دعم أطر الدولة المركزية ومسارات التسوية التفاوضية، بينما تفضّل الإمارات شركاء محليين موثوقين قادرين على فرض الاستقرار ميدانيًا.

غير أن هذه التباينات، وخصوصًا في اليمن والسودان، تصاعدت إلى حالة من الشك المتبادل والاتهامات العلنية، لا سيما فيما يتعلق بتدفقات السلاح، والسيطرة على الأراضي، وتوسيع نفوذ الوكلاء. وعندما تتحول الخلافات إلى رسائل دبلوماسية قسرية وإجراءات تصعيدية، فهذا يدل على فشل آليات التنسيق وتآكل الثقة.

 ملفات إقليمية

كيف تقيّم دور الإمارات في دعم القوى الانفصالية الجنوبية في اليمن مقارنة بالسياسات السعودية الرامية إلى الحفاظ على وحدة البلاد؟

- انخراط الإمارات مع القوى الجنوبية في اليمن ينبع من منطق أمني وظيفي أكثر منه تبنّيًا أيديولوجيًا للانفصال. فأبوظبي تركّز على مكافحة الإرهاب، وأمن الموانئ، والاستقرار البحري، وترى في القوى الجنوبية شركاء موثوقين في بيئات الدولة الهشّة.

في المقابل، تعطي السعودية الأولوية لوحدة اليمن الإقليمية، أو على الأقل لإطار تسوية يمنع التفكك قرب حدودها. ومن منظور الرياض، فإن النزعات الانفصالية الجنوبية تعقّد المفاوضات، وتطيل أمد عدم الاستقرار، وتخلق كيانات غير قابلة للضبط على حدودها الجنوبية.وهذا التباين يعكس نموذجين مختلفين للنظام الإقليمي: نموذج إماراتي قائم على التحكم الشبكي، مقابل نموذج سعودي يرتكز على الاستقرار المركزي.

كيف تؤثر هذه السياسات على فرص إعادة معايرة التحالف الخليجي في ظل التهديدات الإقليمية المشتركة؟

- إنها تعقّد عملية إعادة المعايرة بشكل كبير. فالتحالفات تقوم على إدراك مشترك للتهديد، ومنطق قيادة موحد، وقابلية للتنبؤ. والتباينات السعودية–الإماراتية تقوّض العناصر الثلاثة.

ورغم أن الطرفين يشتركان في إدراك خطورة إيران وانعدام الأمن البحري، فإنهما يختلفان في كيفية إدارة هذه التهديدات. وعندما يدعم الشركاء قوى متنافسة، ينهار تماسك التحالف على المستوى العملياتي، ويدفع كل طرف إلى التحوّط بشكل مستقل.

وبالتالي، يتحول التحالف الخليجي من تعاون متكامل إلى تنافس مُدار، حيث يقتصر التنسيق على ملفات محددة عالية الأولوية.

كيف يمكن تفسير الاتهامات المتعلقة بالتنسيق الإماراتي–الإسرائيلي في القرن الإفريقي واليمن ضمن سياق النفوذ الإقليمي؟

يجب فهم هذه الاتهامات من منظور الجيوسياسة البحرية لا من زاوية أيديولوجية. فالقرن الإفريقي، وباب المندب، وجنوب اليمن تشكّل ممرًا استراتيجيًا واحدًا حاسمًا لحركة التجارة العالميتتة وتدفقات الطاقة والمراقبة الإقليمية.

وغالبًا ما تُستخدم الادعاءات بشأن التنسيق الإماراتي–الإسرائيلي كأدوات سردية من قبل أطراف منافسة لنزع الشرعية عن مشاريع بناء النفوذ في مناطق متنازع عليها. وبغض النظر عن دقتها، فإنها تبرز القيمة الاستراتيجية لنقاط الاختناق البحرية وتنامي نزعة تدويل الأمن عبر الشراكات.

إلى أي مدى تعكس هذه التباينات اختلافًا في العقائد الأمنية بين الرياض وأبوظبي؟

- إلى حد بعيد، تعكس اختلافًا جوهريًا في العقائد الأمنية. فالعقيدة السعودية الحالية تركّز على خفض التصعيد، وحماية الحدود، وقابلية التنبؤ الاقتصادي. بينما تفضّل العقيدة الإماراتية النفوذ المتقدم، والعمل عبر قوى شريكة، والسيطرة على العقد الاستراتيجية كالموانئ ومراكز اللوجستيات.

وهذه العقائد ليست متناقضة بطبيعتها، لكن في غياب قواعد واضحة لفك الاشتباك، فإنها تتصادم في ساحات الدول الهشة مثل اليمن والسودان.

هل يرتبط سباق التسلح في الخليج بالخلافات الاستراتيجية بين الحلفاء، أم أنه جزء من منافسة إقليمية أوسع؟

- إن سباق التسلح مدفوع أساسًا بمنافسة إقليمية أوسع، لا سيما مع إيران، وانتشار الصواريخ، وعدم اليقين بشأن الضمانات الأمنية الخارجية. غير أن الخلافات بين الحلفاء تسرّع هذا الاتجاه.

فعندما تتآكل الثقة، تستثمر الدول في قدرات لا لردع الخصوم فحسب، بل أيضًا للحفاظ على استقلاليتها تجاه الشركاء. وعليه، فإن احتكاك التحالف يعمل كمسرّع لا كسبب جذري.

ما أثر هذه التباينات على استقرار لبنان والعراق، خاصة في ظل قضايا غير معلنة كنفوذ المرتزقة أو القواعد العسكرية؟

- الأثر غير مباشر لكنه مزعزع للاستقرار. فتفكك المواقف الخليجية يضعف الانخراط المنسق في الدول الهشّة، ويشجع الانتهازية السياسية، وتمكين الميليشيات، وترتيبات الأمن المُفوّض. ورغم غموض الأدلة حول شبكات المرتزقة أو القواعد، فإن النتيجة العامة واضحة: الانقسام الإقليمي يغذي تآكل المؤسسات في لبنان والعراق عبر تقليص الضغط الدبلوماسي الموحد وتعزيز التنافس بالوكالة.

 

 آفاق المستقبل

 

هل يمكن إدارة هذه التباينات ضمن إطار تحالفي مستمر، أم أننا نتجه نحو تصعيد قد يعيد تشكيل تحالفات الخليج؟

- الإدارة ممكنة، لكن فقط ضمن نموذج تحالفي جديد. فالافتراض القائم على التقارب التلقائي لم يعد صالحًا. والإطار الأكثر واقعية يتمثل في تنافس مُدار يقوم على خطوط حمراء واضحة، وآليات فك اشتباك، وتعاون انتقائي. وفي غياب ذلك، قد تدفع الصدامات المتكررة بالوكالة المنطقة نحو تكتلات أكثر صلابة تعيد رسم التحالفات الخليجية.

كيف يمكن أن تؤثر زيارات الشيخ محمد بن زايد إلى الهند، والحديث عن “ناتو عربي” مدعوم من الهند مقابل محور سعودي–باكستاني، على إعادة ضبط العلاقات السعودية–الإماراتية؟

- يعكس انفتاح محمد بن زايد على الهند استراتيجية إماراتية لتنويع الشراكات الاستراتيجية خارج الأطر الغربية والخليجية التقليدية. وفي المقابل، تمضي السعودية في تعميق علاقاتها الأمنية مع باكستان ضمن منطق تحوّطي مشابه.

ولا تشير هذه التحركات إلى تكتلات صلبة بقدر ما تعبّر عن شبكات أمنية مصغّرة (mini-lateral) تقلّص الاعتماد المتبادل وتزيد الاستقلالية الاستراتيجية. ورغم أنها قد تخفف الاحتكاك الآني، إلا أنها قد تعقّد المصالحة طويلة الأمد.

ما آليات خفض التصعيد أو المصالحة التي تراها فعّالة لضمان استمرار التحالف دون تحول الخلافات إلى صراع مفتوح؟

- الآليات الفعالة يجب أن تكون عملياتية لا رمزية، وتشمل اتفاقات لضبط الوكلاء، وأطرًا لفك الاشتباك البحري، وشفافية بشأن القواعد واللوجستيات، ووساطات هادئة عبر أطراف خليجية محايدة. فالدبلوماسية القِمّية وحدها، من دون قواعد قابلة للتنفيذ، لن تمنع تكرار أزمات كاليمن.

ما دلالات هذه التوترات بالنسبة لإيران، خاصة في ضوء تأجيل ضربة عسكرية مؤخرًا؟

- بالنسبة لإيران، تشكل التوترات السعودية–الإماراتية فرصة ومخاطرة في آن واحد. فالانقسام يضعف الاحتواء المنسق، لكن أي تصعيد في اليمن أو البحر الأحمر قد ينزلق سريعًا إلى مواجهة تشمل وكلاء إيران. ومن المرجح أن تسعى طهران إلى استثمار الانفتاحات الدبلوماسية مع الحفاظ على الردع غير المتماثل، بهدف الصمود لا الحسم.

ما مستقبل إيران، وما السيناريوهات المحتملة بعد حادثة اختطاف مادورو وتأكيد [تروميرو]؟

- إن الأنباء عن احتجاز الرئيس الفنزويلي تمثل سابقة كاسرة للأعراف لها صدى عميق في طهران، وقد تُفسَّر على أنها دليل على تصاعد الاستعداد الأمريكي لاستخدام الإكراه.

وتبرز ثلاثة سيناريوهات:

1. تشديد الردع عبر تنشيط الوكلاء والضغط البحري.

2. خفض تصعيد انتقائي من خلال وسطاء لاحتواء المخاطر الآنية.

3. اعتماد استراتيجية البقاء ضمن نظام إقليمي متشظٍ، تستثمر فيه إيران الانقسامات لتفادي العزلة وتحدي النفوذ تدريجيًا.

وفي نظام إقليمي مفكك، لا يكمن مستقبل إيران في الانتصار الحاسم، بل في القدرة على الصمود الاستراتيجي.


مشاهدات 52
الكاتب أورنيلا سكّر
أضيف 2026/03/07 - 1:24 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 5:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 279 الشهر 5710 الكلي 14959779
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير