الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل الكردية فعلا لغة رسمية في العراق؟ .. التعلم من التجربة الكندية


هل الكردية فعلا لغة رسمية في العراق؟ .. التعلم من التجربة الكندية

 حازم محمود حميد النعيمي

 

ليست اللغة مجرد وسيلة تواصل بل شعور بالاعتراف فالدولة حين تخاطب المواطن بلغته لا تقدم خدمة إدارية فحسب بل تمنحه إحساسًا بالانتماء. وعندما نصّ الدستور العراقي لعام 2005 على أن العربية والكردية لغتان رسميتان للدولة لم يكن ذلك إجراءا شكليا او مجاملة ولا تسوية سياسية عابرة بل كان إعلانا قانونيا بأن العراق وطنٌ متعدد الهويات وأن المواطنة فيه لا ترتبط بلغة واحدة. واقولها ابتداءا اني لست كرديا ولا اجيد التحدث بها لكن الدفاع عن تنفيذ النص الدستوري ليس انحيازا قوميا بل موقف وطني وقانوني فالدستور حين يمنح حقا لا يصبح ملكا لفئة معينة بل يصبح التزاما على الدولة تجاه مواطنيها جميعا.

أن الواقع اليوم يبين بوضوح أن هذا النص الدستوري رغم صدوره قبل اكثر من 21 عاما لم يتحول بعد إلى ممارسة مؤسساتية حقيقية فالحكومة الاتحادية في أغلب مؤسساتها لا تطبق رسميا استخدام اللغة الكردية في عملها الإداري اليومي فنادرا ما نجد استمارات حكومية اتحادية بالكردية في معظم الدوائر ولا مواقع إلكترونية حكومية ثنائية اللغة ولا مخاطبات رسمية تصدر بها ولا حضور واضح لها في الخدمات الحكومية ولا توجد ترجمة فورية لجلسات مجلس النواب باللغة الكردية. ونتيجة لذلك فإن المواطن الكردي لا يتلقى أخبار الحكومة الاتحادية مباشرة بلغته بل يعرفها غالبا عبر القنوات الإعلامية الكردية في الإقليم التي تقوم بترجمة بيانات الحكومة وقراراتها وكأن الإعلام أصبح وسيطا لغويا بين الدولة ومواطن يفترض أن الدستور يضمن مخاطبته مباشرة.

وحتى في المجال الأوسع في الحياة اليومية يمكن ملاحظة الفجوة بين النص والتطبيق ففي جميع محافظات العراق تقريبا، باستثناء محافظات إقليم كردستان، لا نجد أي لوحات مرورية أو لافتات طرق مكتوبة بالكردية إلى جانب العربية رغم أن هذه اللوحات تمثل أحد أبسط أشكال حضور الدولة أمام المواطن فالمواطن يرى الدولة أولا في الطريق والمطار والمبنى الحكومي والسوق التجاري وحين تختفي لغته من هذه الفضاءات يشعر تلقائيا بأن رسميتها نظرية لا عملية. ان الدستور لم يقل إن الكردية لغة رسمية داخل الإقليم فقط بل لغة رسمية في العراق كله أي أن المؤسسات الاتحادية في بغداد والبصرة والموصل وأي محافظة أخرى ملزمة بالتعامل بها كما تتعامل بالعربية فاللغة الرسمية ليست تعريفا ثقافيا بل التزاما إداريا يوميا.

أما على الصعيد الثقافي، فإن الثقافة الكردية خارج إقليم كردستان تكاد تكون غائبة عن المشهد العام في بقية المحافظات العراقية فالمواطن في المدن العراقية لا يطلع على فعاليات أدبية أو معارض فنية أو أمسيات شعرية تعرّف بالأدب والتراث الكردي ويقتصر الحضور في الغالب على نشاطات محدودة جدا تقوم بها دار الثقافة والنشر الكردية التابعة لوزارة الثقافة وبعض الفعاليات التي يستضيفها “المركز الثقافي العربي–الكردي” الذي اؤسس مؤخرا بمبادرة شخصية من رئيس الجمهورية الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد وقام بتخصيص مقر لهذا المركز في مدينة بغداد. وما عدا هذه المبادرات القليلة لا يكاد يوجد حضور فعلي منظم للثقافة الكردية في المحافظات الأخرى. ونتيجة لذلك فإن المواطن العربي العراقي غالبا لا يعرف أسماء شخصيات ثقافية كردية بارزة ولا يطّلع على إنتاجها الأدبي أو الفكري كما لا تُلاحظ نشاطات ثقافية كردية تُذكر في المدارس أو الجامعات خارج الإقليم. إن هذا الواقع يستدعي تدخلا مباشرا من الحكومة المركزية عبر تخصيص تمويل سنوي ثابت لدعم المهرجانات والندوات والمعارض الفنية والترجمات والنشر وإنشاء مراكز ثقافية كردية في المحافظات لأن تعزيز التبادل الثقافي ليس نشاطا ترفيهيا، بل سياسة وطنية تعزز المعرفة المتبادلة وتدعم وحدة المجتمع، فالثقافة هي الجسر الذي يسبق السياسة في بناء الثقة بين المواطنين.

ان الدول المتقدمة لم تترك التعدد اللغوي شعارا نظريا وانما حولته إلى نظام إداري دقيق. وتُعد كندا من أبرز الأمثلة فبموجب قانون اللغات الرسمية لعام 1969 أصبحت الإنجليزية والفرنسية لغتين رسميتين متساويتين في مؤسسات الدولة الفيدرالية رغم ان عدد الناطقين بالفرنسية في عموم كندا لا يتجاوز 20 بالمائة من السكان. فاصبح المواطن الكندي يستطيع مراجعة كافة الوزارات اوالضرائب أو الضمان الاجتماعي أو الهجرة أو المحاكم او المستشفيات وحتى المصارف في جميع المقاطعات الكندية وليس فقط في كيبيك وحدها واختيار لغته والحكومة ملزمة قانونا بالرد باللغة نفسها وان جميع القوانين الاتحادية تصدر بنسختين متطابقتين في القوة القانونية، ولا تُعد إحداهما ترجمة للأخرى. كما أن كثيرا من الوظائف الحكومية خصوصا في المؤسسات الاتحادية تشترط إتقان اللغتين، وتوجد هيئة رقابية مستقلة تستقبل شكاوى المواطنين إذا لم يحصلوا على الخدمة بلغتهم. وحتى في الممارسة السياسية اليومية، نلاحظ أن رئيس الوزراء الكندي حين يدلي بأي تصريح رسمي يقدمه عادة باللغتين الإنجليزية والفرنسية معا رغم أن لغته الأم قد تكون الإنجليزية فقط، وذلك لأن الخطاب الحكومي موجّه إلى شعب كامل لا إلى جماعة لغوية واحدة. كما تظهر اللغتان في المطارات والبرلمان والجيش والبريد والعملة الورقية بشكل متساوٍ ويتم بث جميع جلسات البرلمان باللغتين الانجليزية والفرنسية من داخل البرلمان نفسه. والأهم أن كندا لا تنظر إلى كلفة الترجمة والتوظيف اللغوي كعبء مالي بل كاستثمار في الوحدة الوطنية، وقد ساهم ذلك في تقليل التوتر السياسي في مقاطعة كيبك وتعزيز شعور الناطقين بالفرنسية بأن الدولة تمثلهم مباشرة. بالاضافة الى ذلك لا يقتصر الاعتراف باللغة الفرنسية على النصوص القانونية أو المؤسسات الاتحادية بل يمتد إلى سياسة ثقافية وتعليمية نشطة في جميع المقاطعات. فالحكومة الفيدرالية بالتعاون مع حكومات المقاطعات تموّل المدارس والبرامج التعليمية بالفرنسية حتى في المناطق ذات الأغلبية الناطقة بالإنجليزية وتدعم إنشاء مدارس تكون الفرنسية اللغة الاساسية في التدريس رغم أن لغتهم الأم هي الانجليزية. كما تُخصَّص منح مالية لدور النشر والمسرح والسينما والأنشطة الفنية الناطقة بالفرنسية وتُدعم القنوات الإذاعية والتلفزيونية الفرنكوفونية لضمان حضورها في الحياة اليومية للمواطن. وتنتشر المراكز الثقافية والمعاهد والمكتبات العامة التي تقيم مهرجانات أدبية وموسيقية ومعارض فنية بالفرنسية في مختلف المدن خارج كيبيك. ان الهدف من ذلك ليس تعليم لغة إضافية فحسب بل الحفاظ على مكوّن ثقافي كامل داخل الدولة لأن الحكومة الكندية تعتبر حماية الثقافة المرتبطة باللغة جزءا من حماية الوحدة الوطنية نفسها ولذلك يُعد دعم الثقافة الفرنسية استثمارا سياسيا واجتماعيا طويل الأمد لا نشاطا ثقافيا ثانويا.

ان العراق اليوم لا يعاني من نقص القوانين بل من ضعف تنفيذها فالنص الدستوري الخاص باللغة واضح لكن تحويله إلى ممارسة يومية هو الذي سيعطيه قيمته الحقيقية. إن تطبيق الرسمية الكردية لن يضيف عبئا ماليا كبيرا لكنه سيضيف رصيدا ضخما من الثقة الوطنية لأن المواطنة تُبنى بالتجربة اليومية للمواطن لا بالخطب السياسية. وتطبيق هذا النص لا يخدم الأكراد وحدهم بل يخدم الدولة نفسها. فالدولة التي تحترم تنوعها تقوي وحدتها بينما الدولة التي تؤجل حقوقا دستورية تترك مساحة دائمة للشكوك السياسية.

ومن باب العدالة الدستورية نفسها، فإن تطبيق الرسمية اللغوية ليس التزاما على الحكومة الاتحادية وحدها وانما هو التزام متبادل أيضا. فكما أن الدولة المركزية مطالبة بتفعيل حضور اللغة الكردية في مؤسساتها ومخاطبة المواطنين بها فإن إقليم كردستان بدوره مطالب بتطبيق الممارسات ذاتها تجاه اللغة العربية بوصفها لغة رسمية للدولة كذلك ويشمل ذلك حضور العربية في الدوائر الحكومية للإقليم واللافتات الرسمية في الشوارع والمطارات والمنافذ الحدودية وإتاحة الخدمات الإدارية بها، إضافة إلى دعم الأنشطة الثقافية والتعليمية التي تعرف باللغة العربية وآدابها، فالمعادلة الدستورية تقوم على المساواة لا على الاتجاه الواحد، وأي تطبيق انتقائي للرسمية اللغوية يضعف فكرة الشراكة الوطنية. إن احترام اللغتين رسميا من الطرفين لا يمثل مجاملة سياسية بل هو التطبيق الحقيقي لفكرة المواطنة المتبادلة التي نص عليها الدستور.

مدير عام دائرة البحوث والدراسات - رئاسة الجمهورية


مشاهدات 67
الكاتب  حازم محمود حميد النعيمي
أضيف 2026/02/24 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/02/25 - 5:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 204 الشهر 19568 الكلي 14951211
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير