الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
(كوناره) حاضرة لُولُوبية أقصيت من ذاكرة التاريخ

بواسطة azzaman

شعب رسم ملامح الحضارة قبل 4500 عام

(كوناره) حاضرة لُولُوبية أقصيت من ذاكرة التاريخ

باسل الخطيب

 

تحت تراب السليمانية، وعلى ضفاف نهر تانجرو، رقدت حضارة رافدينية عريقة لأكثر من 4500 عام هي حضارة اللولوبيون، التي لم تحظ بالاهتمام المطلوب في ظل النظام السابق، حتى كشفت بعثة فرنسية عن حاضرتها «كوناره» عام 2012 ، لتعيد إلى الذاكرة قصة شعب أسهم في رسم ملامح فجر الحضارة في جبال زاغروس.

كان اللولّوبيون أو اللولّو، يسكنون سهل السليمانية الذي يعتبر امتداداً طبيعياً لسهل شهرزور، ويمتد من حلبجة شرقاً إلى دبدربندي بازيان غرباً. وكانت هذه البلاد تعرف قديماً ببلاد زاموا أو ساموا كما ورد ذلك في سجلات الملوك الآشوريين الذين شنوا حملات عسكرية على سكانها، ومن أبرزهم آشور – ناصر بال الثاني (883-859 ق.م.) وابنه شلمنصر الثالث (858-824 ق.م.)، ووثقوا مسارات جيوشهم وانتصاراتهم.

سجلات الآشوريين أفادت المؤرخين 

يقول عالم الآثار البروفيسور د. كوزاد محمد أحمد، أن سجلات أولئك الملوك «أفادت المؤرخين والآثاريين المحدثين كثيراً في إعادة بناء الصورة الجغرافية القديمة مع تصورات للتشكيلات السياسية والاجتماعية لا بل والمعتقدات الدينية لسكان بلاد زاموا»، ويشير إلى أن الملك تيگلات - بلصر الأول (1115-1077 ق.م.) «سجل أنه غنم من بلاد اللولّوبو 25 تمثالاً نحاسياً لآلهتهم كاشفاً عن معتقدات أساسها تعدد الآلهة التي كانت تعمل لها تماثيل توضع في معابد ولا بد أن كانت تقدم لها قرابين ولها كهنة يديرون شؤون معابدها وغير ذلك من تعقيدات الجهاز البيروقراطي للمعبد والبنيان المعقد لهيكلية المعتقدات الدينية».  ويضيف أن تلك السجالات المهمة «دللت على غزارة المدن والقرى المنتشرة في بلاد زاموا إذ سجلت اسماء العديد منها فهناك مثلاً إشارة في إحدى النصوص إلى تدمير 30 مما يسميه النص مدناً لولّوبية (ربما كانت قرى كبيرة) كانت تحيط بمدينة مركزية تدعى خودون في ضربة واحدة»، ويستدرك أنه على الرغم من أن تلك السجلات كانت «تستخدم نصوصاً دعائية لا تخلو من المبالغات إلا أنها لا تنفي أيضاً كثافة العمران في واحدة من أخصب السهول الزراعية في عموم المنطقة».

ويرى عالم الاثار الكردي، أن تاريخ اللولّوبيين «لم يبدأ مع حملات الملوك الآشوريين في القرنين التاسع والثامن ق.م. بل أنه يعود على الأقل إلى أواسط الألف الثالث ق.م. حين ادعى أول ملك من ملوك السلالة الأكدية وهو سرجون أنه مد حكمه إلى بلاد اللولّوبيين والگوتيين تلاه في ذلك حفيده نرام سين الذي ادعى صراحة انتصاره عليهم مرة وتحطيمه لتحالف واسع جداً تشكل ضده كان من بينهم اللولّوبو مرة أخرى»، ويبين أن انفتاح العراق على العالم الخارجي بعد 2003 «ترافق مع قدوم العديد من الهيئات الآثارية الأجنبية للبحث والتنقيب في العديد من مواقع إقليم كردستان فكان أن اختارت إحدى الفرق الفرنسية الموقع المعروف بكوناره الذي يتكون من تلتين متلاصقتين تقعان على ضفاف نهر تانجرو في الضواحي الجنوبية لمدينة السليمانية لتبدأ بالحفر فيه في  عام 2012». وأوضح البروفيسور كوزاد محمد أحمد، أن حجم ذلك التل «يبلغ 7-10 هكتارات ويتكون من مدينة عليا تقع على التلة العالية والمدينة السفلى في التلة الأقل ارتفاعاً منها ويمر الطريق الاسفلتي الحالي المؤدي إلى هزارميرد من بين التلتين»، ويلفت إلى أن الفريق الآثاري الفرنسي «كشف ثلاث طبقات سكنية رئيسة تعود إلى الألف الثالث ق.م. واستمرت إلى الألف الثاني ق.م. تحديداً ما بين 2400-1800 ق.م.». وذكر أن الموقع «حوى من بين أمور أخرى على بنائين ضخمين تبلغ أبعاد أحدهما 60 م طولاً و30 م عرضاً تتميز بتقنياتها المعمارية المتميزة وجدرانها الكبيرة السميكة (1.30 م) «، منوهاً إلى أن بناؤو تلك المدينة «اهتموا بتصريف المياه اهتماماً كبيراً ففضلاً عن فرش الأرضيات بالأحجار والحرص على وجود ميلان يسهل التصريف فانهم زودوا الأبنية بشبكات من الأنابيب الفخارية لتصريف المياه إلى خارجها».

وتابع الآثاري الكردي، أن منقبي الموقع «يعتقدون أنه كانت لتلك الأبنية وظائف إدارية أو عسكرية أو دينية كما أشارت بقايا الفخار إلى صناعة متجانسة تماماً مع بعض المميزات التي تتشابه مع فخاريات منطقة نهر سيروان وبعض فخاريات جنوب وادي الرافدين»، ويستطرد أن المنقبين «عثروا أيضاً على العديد من الآلات الحجرية وأحجار الصوان والمقاشط إضافة إلى إبر ومخارز من البرونز حيث يقع تاريخ الموقع ضمن عصر البرونز وهو العصر الذي شاع فيه استخدام هذا المعدن في الآلات والأدوات قبل اكتشاف تقنية صناعة الحديد لاحقاً».ويمضي قائلاً، كما «عثر في الموقع على خرز حجرية من بينها واحدة من العقيق وختم اسطواني يدل على ممارسة التقاليد البيروقراطية في الإدارة والتبادلات التجارية والمراسلات الرسمية»، شارحاً أن وجود هكذا أختام في أي موقع أثري «دلالة واضحة على مثل هذه الشؤون كما تؤشر وجود أحجار البازلت والاوبزيديان غير المتوفرة في المنطقة المحيطة إلى علاقات تجارية وتبادل مع مناطق بعيدة جلبت بواسطتها هذه الأنواع من الأحجار إلى المدينة».

طقوس دينية وإدارية

ويواصل البروفيسور الكردي، أن المشهد المحفور «يبين على الختم الاسطواني إلهة جالسة على عرش حيث تلبس تاجاً مقرناً دلالة على الالوهية وترفع يدها اليمنى كرد على تحية شخصين يسلمان عليها وتكون هاتان الشخصيتان في العادة شخص يدخل على الإله أو الإلهة لطلب شيء ما أو شفاعة يتقدمه إله أو إلهة ثانوية أخرى تشفع له وتقدمه للإله الجالس وتتوسطهما نجمة على الختم»، ويعتقد أنه ربما كانت تلك الإلهة أو الإله «إله القمر بسبب وجود الهلال في أعلى المشهد كما كانت كل الشخصيات تلبس أردية طويلة تصل إلى الكاحل وهي من ملابس التشريفات عادة وهناك منضدة صغيرة أما الإلهة الجالسة وفوقها بعض الأشياء ربما أرغفة خبز أو ملابس مقدمة كقرابين أو هدايا للآلهة».ويؤكد على أن الاكتشافات الأثرية «وصلت ذروتها باكتشاف كسر من رقم طينية مكتوبة بالمسمارية يعود إلى تلك الحقبة نفسها ورغم أن حالة النصوص سيئة جداً كونها متكسرة إلى قطع عديدة إلا أن محتواها يشير إلى توزيع كميات من الطحين على بعض الأشخاص ربما كانوا عمالاً أو عبيداً يعملون لصالح الحكومة المحلية أو في أراضي المعبد .كما كانت الحال في بلاد سومر في ذلك الوقت».ويبين أن بعض النصوص الأخرى «تذكر كميات من طحين الشعير أو الحنطة وغيرها واردة من أماكن اسماؤها غير معروفة لدينا لحد الآن وهناك نصوص تذكر إعادة توزيع هذه المواد مما يؤكد أن كوناره كانت مركزاً لتجميع وإعادة توزيع مواد المنطقة المحيطة بها». ويرى عالم الآثار الكردي، ان تلك المعطيات «تدلل بوضوح على أن كوناره كانت مدينة لولّوبية بامتياز وتعود اللقى المكتشفة فيها إلى هذا الشعب الذي لم نكن نعرف عنه إلا النزر اليسير من خلال ما كتبه عنهم خصومهم أما آثار كوناره فتنطق باسمهم هم وتظهر أنهم عرفوا الإدارة ونظم الحكم المتمثلة بوجود حاكم المدينة المشار إليه بالاينسي Ensi من دون ذكر اسمه الشخصي»، ويلفت إلى أنهم «عرفوا أيضاً المعابد والآلهة الجالسة على العروش كما يبين ذلك الختم الاسطواني المكتشف فيها وعرفوا جهازاً اقتصادياً يعتمد على الزراعة المتمثلة بجمع الحبوب وإعادة توزيعها كما تظهر ذلك النصوص المكتشفة فيها».  ويرى أن تلك المكتشفات «تدلل أيضاً على أن المنطقة وسكانها اللولّوبيين كانوا منخرطين في ركب الحضارة والتقدم حوالي أربعة آلاف وخمسمائة سنة قبل الآن»، داعياً إلى «الاهتمام بالمنطقة أكثر ودراستها بنحو أعمق للبحث عن مدنها الأخرى وحواضرها المندثرة التي تعد بالمزيد من الاكتشافات المثيرة».إن ما كشفت عنه التنقيبات الأثرية في كوناره يستدعي مزيداً من البحث للكشف عن مدن أو آثار لولّـــــــــــــوبية أخرى ما تزال مطمورة، بانتظار من يعيد لها مكانتها المستحقّة لتصبح مزاراً سياحياً وأثرياً جديداً في كردستان.

 


مشاهدات 45
الكاتب باسل الخطيب
أضيف 2026/02/21 - 2:49 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 16862 الكلي 14948505
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير