الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القرآن الكريم مشروع بناء الإنسان

بواسطة azzaman

القرآن الكريم مشروع بناء الإنسان

نوري جاسم

 

حين يُعاد ترتيب الأولويات في أي مشروع إصلاحي صادق، يتقدّم القرآن إلى الصدارة لا بوصفه شعارًا مرفوعًا، بل باعتباره منهجًا حيًا لبناء الإنسان. إن إطلاق الطريقة الكسنزانية لهذه الدورات القرآنية ليس نشاطًا موسميًا مرتبطًا بفضيلة زمان، بل هو إعلان واضح بأن الطريق إلى النهضة الروحية والأخلاقية يبدأ من الكلمة الأولى التي نزلت نورًا وهداية. فالتلاوة الدقيقة ليست تحسين صوت فحسب، بل هي تدريب عميق على الانضباط، والصبر، واحترام القاعدة، والالتزام بالنظام؛ وهي بذلك تؤسس في النفس قيمة الدقة التي تنعكس على السلوك، وقيمة المسؤولية التي تضبط القرار، وقيمة الصدق التي توحّد الداخل والخارج. إن اللسان الذي يتعلم مخارج الحروف كما ينبغي، يتعلم قبل ذلك تهذيب الكلمة، وضبط العبارة، واجتناب الأذى، فيتحول الذكر إلى خلق، والتجويد إلى سلوك، والصوت إلى أثر إنساني. والقرآن حين يُتلى بفهم وتدبر، يوقظ في القلب الرحمة في مواضعها، ويزرع العدل في المواقف، ويغرس التواضع أمام عظمة النص، فيضعف الكِبر، ويقوى الاستعداد للتعلم، ويترسخ احترام الإنسان لأخيه الإنسان. إن اجتماع القلوب على كتاب الله يوحّد الصفوف، ويذيب الفوارق، ويجعل المرجعية واحدة، فيتحول المجلس إلى مدرسة قيم، ويتحول رمضان من موسم عابر إلى محطة تأسيس طويلة الأمد. من هنا تتجلى الرؤية الأعمق لهذه الدورات: صناعة مريد قرآني لا شكلي، إنسان متوازن يجمع بين الشريعة والحقيقة، بين الظاهر المنضبط والباطن المشرق، بين الالتزام والانفتاح، بين العبادة وخدمة المجتمع. فالقرآن لا يصنع عابدًا منعزلًا، بل يصنع إنسانًا رحيمًا عادلًا صادقًا مسؤولًا، يحمل في قلبه سكينة، وفي فكره وعيًا، وفي سلوكه اتزانًا. وعندما يصبح القرآن محور التربية، تتعزز الحصانة الفكرية لدى الشباب، ويتراجع الفراغ الروحي، وتضعف نزعات التطرف، لأن من تشرب قيم الرحمة والعدل لا ينقاد إلى الغلو ولا يستسلم للانحراف. إن القيمة الروحية لهذه الدورات أنها تعيد وصل الإنسان بمصدر النور، وتحوّل العلاقة بالقرآن من قراءة عابرة إلى معايشة دائمة، ومن صوت يُسمع إلى حياة تُعاش. وهكذا يتضح أن المشروع القرآني ليس برنامجًا تعليميًا محدودًا، بل رؤية متكاملة لبناء الإنسان، وتوحيد الجماعة، وترسيخ القيم الإنسانية العليا، وصناعة جيل يحمل المعنى قبل المظهر، والخلق قبل الادعاء، والنور قبل الضجيج. فالقرآن إذا أُتقن لفظًا، واستُحضر معنىً، وأُخلصت له النية، أخرج إنسانًا أقرب إلى الله، وأنفع للناس، وأصدق مع نفسه، وذلك هو جوهر الإصلاح وأساس النهضة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  .

 


مشاهدات 150
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/02/21 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 10:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 394 الشهر 17156 الكلي 14948799
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير