رسالة الى السفراء الجدد
الدبلوماسية.. أمانة وطنية ورسالة أخلاقية
عصام البرّام
تُعدّ الدبلوماسية واحدة من أرقى صور العمل الوطني وأكثرها حساسية، إذ لا تقتصر وظيفتها على تمثيل الدولة في الخارج أو إدارة العلاقات مع الدول الأخرى، بل تتجاوز ذلك لتكون تجسيدًا حيًا لقيم الوطن وهويته ومبادئه الأخلاقية. فالدبلوماسي لا يحمل جواز سفر رسميًا فحسب، بل يحمل معه تاريخ شعبه، وكرامة دولته، وصورة أمته في أعين العالم. ومن هنا، فإن الدبلوماسية ليست مجرد مهنة أو مهارة سياسية، بل هي أمانة وطنية ورسالة أخلاقية تتطلب وعيًا عميقًا ومسؤولية عالية.
لقد نشأت الدبلوماسية منذ القدم كوسيلة سلمية لتنظيم العلاقات بين الكيانات السياسية، وتجنب الصراعات، وبناء جسور التفاهم بين الشعوب. ومع تطور النظام الدولي وتعقّد المصالح وتشابك القضايا، أصبحت الدبلوماسية أكثر تأثيرًا في رسم ملامح السلم والحرب، والاستقرار والتوتر، والتعاون والصراع. وفي هذا السياق، لم يعد النجاح الدبلوماسي يقاس فقط بمدى تحقيق المصالح الآنية، بل بمدى الالتزام بالقيم الأخلاقية التي تحكم السلوك الدولي وتحفظ كرامة الإنسان.
إن اعتبار الدبلوماسية أمانة وطنية يعني أنها مسؤولية لا تحتمل التفريط أو التهاون، لأنها ترتبط مباشرة بسيادة الدولة ومصالحها العليا. فالكلمة التي ينطق بها الدبلوماسي، والموقف الذي يتخذه، والتصريح الذي يصدر عنه، قد يكون له أثر بالغ في علاقات بلاده، إيجابًا أو سلبًا. ومن هنا، فإن الأمانة تفرض على الدبلوماسي أن يكون صادقًا في تمثيل مواقف دولته، أمينًا في نقل الحقائق، وحريصًا على عدم استغلال موقعه لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية.
غير أن الأمانة الوطنية وحدها لا تكفي ما لم تقترن برسالة أخلاقية واضحة. فالدبلوماسية، في جوهرها، فعل إنساني قبل أن تكون أداة سياسية. وهي تقوم على الحوار بدل الإكراه، وعلى الإقناع بدل التهديد، وعلى احترام الآخر مهما اختلفت المواقف والرؤى. وعندما تغيب الأخلاق عن العمل الدبلوماسي، تتحول الدبلوماسية إلى مجرد لعبة مصالح قاسية، تُبرر الخداع، وتشرعن الكذب، وتغض الطرف عن الظلم، وهو ما ينعكس سلبًا على صورة الدولة ومكانتها الدولية.
وتتجلى الرسالة الأخلاقية للدبلوماسية في الدفاع عن القضايا العادلة، واحترام القانون الدولي، ودعم حقوق الإنسان، والمساهمة في حل النزاعات بالطرق السلمية. فالدولة التي تجعل من دبلوماسيتها صوتًا للعقل والعدالة، تكسب احترام المجتمع الدولي حتى وإن اختلفت مع الآخرين في المصالح أو السياسات. أما الدولة التي تستخدم دبلوماسيتها لتبرير العدوان أو تزييف الحقائق، فقد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تخسر على المدى البعيد رصيدها الأخلاقي وثقة العالم بها.
وفي عالم اليوم، حيث تتسارع الأحداث وتتداخل الأزمات، تزداد الحاجة إلى دبلوماسية واعية ومسؤولة، قادرة على التوفيق بين المصلحة الوطنية والالتزام الأخلاقي. فالتحديات العالمية، مثل النزاعات المسلحة، وأزمات اللاجئين، والتغير المناخي، والأوبئة، لا يمكن التعامل معها بمنطق الأنانية السياسية، بل تتطلب تعاونًا دوليًا قائمًا على التضامن والمسؤولية المشتركة. وهنا يبرز دور الدبلوماسية كجسر للتفاهم، لا كساحة للصراع اللفظي أو الاستعراض السياسي.
كما أن الدبلوماسية الأخلاقية تسهم في تعزيز السلم الداخلي، لأنها تعكس صورة إيجابية عن الدولة أمام مواطنيها قبل غيرهم. فعندما يشعر المواطن أن بلاده تحترم قيمها في تعاملها مع الخارج، وتدافع عن مبادئها دون ازدواجية، يزداد انتماؤه وثقته بمؤسسات دولته. وعلى العكس من ذلك، فإن التناقض بين الخطاب الداخلي والممارسة الخارجية يضعف المصداقية، ويخلق فجوة بين الدولة ومجتمعها.
ولا يمكن الحديث عن الدبلوماسية كأمانة وطنية ورسالة أخلاقية دون التطرق إلى أهمية إعداد الكوادر الدبلوماسية وتأهيلها. فالدبلوماسي الناجح لا يكتفي بإتقان اللغات ومعرفة البروتوكول، بل يحتاج إلى ثقافة واسعة، ووعي تاريخي، وحس إنساني، وقدرة على فهم الآخر واحترام اختلافه. كما يحتاج إلى ضمير حي يوجه قراراته، ويمنعه من الانزلاق إلى ممارسات تتنافى مع شرف المهنة وروحها.
وتزداد أهمية البعد الأخلاقي في الدبلوماسية حين نضع في الاعتبار التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد القوة الصلبة وحدها هي المعيار الأساسي للتأثير، بل برزت القوة الناعمة بوصفها أداة فاعلة في كسب العقول والقلوب. وتُعدّ الدبلوماسية في صلب هذه القوة الناعمة، لأنها الوسيلة التي تُقدَّم من خلالها ثقافة الدولة وقيمها ونموذجها الحضاري إلى العالم. فالدولة التي تنتهج خطابًا متوازنًا، وتحترم التزاماتها، وتلتزم بالصدق والشفافية في تعاملها الخارجي، تبني لنفسها صورة إيجابية يصعب تقويضها حتى في أوقات الأزمات.
إن الدبلوماسية الأخلاقية لا تعني السذاجة السياسية أو التفريط بالمصالح الوطنية، بل تعني إدارة هذه المصالح بذكاء ومسؤولية، ضمن أطر مشروعة تحترم القواعد الدولية. فالتاريخ السياسي المعاصر يبرهن أن الدول التي جمعت بين الواقعية السياسية والبعد القيمي كانت أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير، لأنها أدركت أن الأخلاق ليست عبئًا على السياسة، بل رافعة لها. وعندما تُمارس الدبلوماسية بروح أخلاقية، فإنها تقلل من كلفة الصراعات، وتفتح آفاقًا أوسع للتسويات المستدامة.
كما أن الدبلوماسية بوصفها أمانة وطنية تفرض على القائمين عليها التزامًا عاليًا بالانضباط والمسؤولية، خاصة في عصر الإعلام المفتوح ووسائل التواصل الحديثة، حيث أصبحت المعلومة تنتشر في لحظات، وأي خطأ أو تصريح غير محسوب قد يتحول إلى أزمة دبلوماسية. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى دبلوماسيين يمتلكون الحكمة وضبط النفس، ويُحسنون قراءة السياقات، ويدركون أن الصمت أحيانًا يكون أبلغ من الكلام، وأن اختيار التوقيت لا يقل أهمية عن اختيار الموقف.
ولا تقتصر رسالة الدبلوماسية الأخلاقية على العلاقات بين الحكومات فقط، بل تمتد إلى التواصل مع الشعوب والرأي العام العالمي. فالدبلوماسي اليوم لم يعد محاورًا للنخب السياسية وحدها، بل أصبح مخاطبًا للإعلام، وممثلًا للثقافة الوطنية، وجسرًا للتقارب الإنساني. ومن خلال هذا الدور، يمكن للدبلوماسية أن تسهم في تصحيح الصور النمطية، وتخفيف حدة الكراهية، وبناء مساحات مشتركة من الفهم والاحترام المتبادل.
وهكذا، فإن توسع مهام الدبلوماسية وتعقّدها يزيد من ثقل الأمانة الملقاة على عاتقها، ويجعل من بعدها الأخلاقي ضرورة لا خيارًا. فالعالم اليوم أحوج ما يكون إلى دبلوماسية مسؤولة، تُعلي قيمة الإنسان، وتوازن بين المصالح والمبادئ، وتؤمن بأن الحوار الصادق هو الطريق الأقصر نحو عالم أكثر استقرارًا وعدلًا.
من هنا، تظل الدبلوماسية مرآة تعكس حقيقة الدول، لا كما تريد أن تُظهر نفسها، بل كما هي في عمقها القيمي والأخلاقي. فهي أمانة وطنية لأن فيها حماية للمصالح والسيادة، وهي رسالة أخلاقية لأنها تعبر عن موقف الدولة من الإنسان والعدالة والسلام. وبين الأمانة والرسالة، تتحدد قيمة الدبلوماسية الحقيقية، ويتحدد معها موقع الدولة في ضمير العالم، لا في خرائط السياسة وحدها.