الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
استعادة الدهشة ودور القراءة الجمالية في تدريس الأدب


استعادة الدهشة ودور القراءة الجمالية في تدريس الأدب

عادل الثامري

 

يقطع الفن منطق الحياة الاعتيادي؛ فهو يُعيد تشكيل التجربة الانسانية ويدعو الانسان الى مساءلة نفسه و العالم وكذلك يستعيد الافتتان والانبهار. وفي سياق تدريس الأدب، تمثّل القراءة الجمالية وسيلة للحفاظ على هذا القطع. عندما لا يواجه الطلبة نصًا بوصفه لغزًا يتعيّن فكّ شفرته ، بل بوصفه تجربة حية معاشة ، يتحول الادب إلى فضاء تتفاعل  فيه الانفعالات والخيال والعقل معًا. هذا التحوّل من الريبة إلى الدهشة يعيد الأدب إلى موقعه باعتباره ممارسة للتواصل الإنساني واكتشاف الذات، وليس ساحة معركة أيديولوجية. وبذلك يصبح فعل القراءة شكلًا من أشكال المشاركة الوجدانية والفكرية في كثير من ممارساته—دعوة للمكوث في اللايقين، للإحساس بقدر ما نفكّر، اذ يستقبل النص بوصفه حضورًا وجدانيًا ديناميًا  وليس موضوعًا ساكنًا للتحليل.

إعادة تقييم إرث الشك

تتوافق الدعوة  إلى "الاستعداد للدهشة"  مع النقد الذي قدّمته ريتا فيلسكي لمفهوم"القراءة الشكية" في كتابها حدود النقد (2015). اذ ترى فيلسكي بأن النقد الأدبي المعاصر أصبح أسير اندفاع مفرط إلى الكشف و التشخيص و التفكيك. تستند القراءة الشكية، المتجذرة في تقاليد ما بعد البنيوية والنقد الأيديولوجي إلى افتراض أن سطح النص يُخفي بنية أعمق—أيديولوجيا يتعين كشفها، أو كبتًا يستوجب استخراجه، أو تناقضًا يتطلب حلّه. ورغم ما تتسم هذه المنهجية من صرامة فكرية، فانها غالبًا ما تضع القارئ في موقع المحقق أو المُحلِّل،  الذي يفترض به النفاذ عبر بساطة النص الظاهرة وصولا إلى معانيه المضمرة.

إن هذا التوجّه قد يُنفّر القراء من لحظية التجربة الجمالية. حين يكون الأدب موضع ريبة دائمًا، تتضاءل قدرته على التأثير والإدهاش والتحويل. فالأبعاد الجمالية للإيقاع والصور والصوت—تلك الجوانب التي تُحرّك إحساس القارئ بالدهشة—تُخضَع لأجندة تأويلية. بعبارة أخرى، قد ينير النقد بنى المعنى، لكنه قد يُعتِم أيضًا الضوء الانفعالي الذي يبثّه الفن. ومن ثمّ، يأتي تدخّل فيلسكي  باعتباره دعوة إلى استكمال النقد بالتقبّل بحيث لا تُفهم القراءة بوصفها فعل حفر دائم، بل بوصفها فعل لقاء و انخراط.

التحوّل البيداغوجي نحو الانخراط الجمالي

ينطوي هذا التحوّل باتجاه القراءة الجمالية على دلالات ذات قيمة تعليمية واضحة، اذ انه يُعيد وضع الصف الدراسي باعتباره فضاءً للاكتشاف المشترك، يبنى فيه التأويل بالمشاركة الوجدانية وليس بالإتقان المفاهيمي والامتثال لمفاهيم او سلطات تأويلية مسبقة. فعندما تختزل الدراسة الأدبية في ممارسات للتشريح والتقطيع، يفقد الطلبة صلتهم بالإمكانية التحويلية الكامنة في فعل القراءة ذاته. وفي المقابل، يعمل التعليم الجمالي على اعادة إدخال حسّ الدهشة والانبهار في العملية التعليمية، فيمل يمكن تسميته "بيداغوجيات الافتتان" حيث تستعاد التجربة القرائية بوصفها لحظة توقف وتأمل قبل التفسير والتأويل. في هذه الصفوف الدراسية، يُشجَّع الطلبة على التريث قبل التفسير والتأويل، وعلى المُكوث في تجربة الغرابة أو الجمال،  بما يسمح للمعنى بأن يتشكل عضويًا من لقاء الطلبة مع النص.

وبفعل هذه الممارسة، يستعيد الادب طبيعته الحوارية. فبدلًا من النظر الى النص كنتاج ايديولوجي وبنية مغلقة، وانما كصوت يستجيب لأسئلتهم ويستدعيذكرياتهم وانفعالاتهم الخاصة. إن هذه المشاركة العاطفية تُنمّي التعاطف والوعي الأخلاقي، ما يُتيح للقراء فهم أنفسهم والآخرين من خلال الخبرة العاطفية المشتركة. يُعيد هذا البُعد الإنساني للقراءة ربط الدراسة الأدبية بمقاصدها الاجتماعية والأخلاقية الأوسع.

القراءة الوجدانية واستعادة الدهشة

إن استعادة الدهشة لا تعني إقصاء المساءلة النقدية، بل توسيع أفقها وإعادة تشكيل حدودها.  ان لموقف الجمالي بوصفه حالة من الانفتاح والانتباه الظاهراتي؛ أي استعدادًا لخبرة النص قبل الشروع في تأويله. تفترضُ هذه اليقظة نوعًا من المجازفة، لأنها تستدعي استعدادًا للتعرّض لطبقات التجربة الفنية المجهولة وغير المتوقعة. غير أن هذه المجازفة ذاتها هي التي تمنح فعل القراءة عمقه التحويلي. فالدهشة، في هذا الإطار، ليست انفعالاً ساذجًا أو ذهولاً أوليًا، بل هي وضعٌ إبستيمي تأسيسي يفتح افق القراءة على التعدّد والغموض ويؤسس لاحترام النص وليس اخضاعه.

وعلى هذا الأساس، فالقراءة الجمالية هي دعوة إلى إعادة النظر في معنى «معرفة النص». فالمعرفة هنا لا تتحقق عبر الهيمنة على النص أو إخضاعه لمقتضيات التفكيك وحدها، بل من خلال المشاركة الوجدانية والانخراط في بنيته غير المادية: طبقته الشعورية وإيقاعه الحسّي وصوره التخيلية. هذا التوجّه  هو «بيداغوجيا التلقّي» حيث يصبح انفتاح القارئ على الأثر الوجداني للنص شكلًا من أشكال النمو الفكري والأخلاقي. ومن خلال الإصغاء لما هو غير عقلاني، وللنبرة الشعرية، وللصادم أو المفاجئ، يتعلّم الدارسون أن قيمة الأدب لا تكمن فقط في ما يكشفه من دلالات، بل في ما يستثيره ويستبق إمكان تأويله؛ أي في قدرته على إعادة تشكيل حساسيتنا تجاه العالم وإحياء ملكة التخيّل فينا.

نحو ممارسة أدبية ترميمية

تغدو القراءة الجمالية حركةً ترميمية داخل حقل الدراسات الأدبية، إذ تعمل على معالجة الفجوة بين النقد والمتعة، وبين العقل والانفعال، وبين التحليل والتجربة الحيّة للنص. ولا تنطوي هذه المقاربة على اقصاء الوعي النقدي أو تعطيله، بل إدماجه في إطار أكثر شمولًا للانخراط مع النص. فبفضل تنمية قابلية التلقّي والاستجابة الوجدانية، تغدو القراءة الأدبية  فعلا تشاركيا يتشكل فيه المعنى عبر تفاعل القاريء مع النص كطرف فاعل في التجربة يشترك فيه القارئ والنص في إنتاج المعنى.

وفي هذا النموذج الترميمي، تُفهم لاعقلانيّة  الادب والفن على انها مصدر قوّة تحويلية وليست نقصا. فامتناع النص الأدبي عن الخضوع لمعنى واحد ثابت لا يُعدّ مشكلةً تستوجب الحل، بل شرطًا ضروريا لابقاءه حيا. ان هذا الامتناع هو ما يسمح بتجدد القراءة، ويمنح النص قبليته المستمرة للتأويل والانفتاح.  مع هذا التغيير في المنهج، تتحوّل الصفوف الدراسية إلى فضاءات تحتفي بالمجهول واللايقين، ويجد فيا الدارسون والباحثون أنفسهم في أجواء الانفتاح والتأمّل. وحين نُنمّي لدى المتعلّمين استعدادهم للانذهال، فإننا نُحيي من جديد سحر التجربة القرائية، ونُعيد للأدب قدرته الفذّة على إلهام المشاعر الإنسانية وتحفيز الاستكشاف وخلق اللذة المعرفية.

وعبر القراءة التي تتذوّق الجمال، نعيد اكتشاف إمكانية أن يدهشنا العمل الفني، وأن نترك للنصوص مساحة لتُعيد تشكيل رؤيتنا للوجود ولأنفسنا. وهكذا، فإننا لا نُبجّل النص الأدبي وحده، وإنما نحتفي أيضًا بتلك الخاصية الإنسانية العميقة - قابلية للدهشة - التي يواصل الأدب والفن احياءها فينا من جديد.

 


مشاهدات 35
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/02/21 - 12:34 PM
آخر تحديث 2026/02/22 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 101 الشهر 16863 الكلي 14948506
الوقت الآن
الأحد 2026/2/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير