الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
براغماتية الهوية..  نيجرفان بارزاني في فضاء الأمن العالمي

بواسطة azzaman

براغماتية الهوية..  نيجرفان بارزاني في فضاء الأمن العالمي

عطا شمیراني

 

ذهاب Nechirvan Barzani إلى Munich Security Conference يطرح سؤالاً سياسياً عميقاً يتجاوز حدود البروتوكول: كيف لرئيس إقليم داخل دولة اتحادية أن يجلس إلى طاولة تضم رؤساء دول كبرى وقادة عالميين؟ وما الذي يعنيه هذا الحضور في ميزان الشرعية، بين الداخل الدستوري والفضاء الدولي؟

الإجابة تبدأ من تحوّل مفهوم “الإقليم” ذاته. إقليم كردستان لم يعد يُختزل كوحدة إدارية ضمن العراق، بل تَشكّل خلال العقدين الماضيين كفاعل أمني وسياسي له وزن في قضايا عابرة للحدود. حين اجتاح تنظيم داعش مساحات واسعة من العراق، كانت البيشمركة خط الدفاع الأول، وشريكاً عملياً للتحالف الدولي. من هنا، لم يعد أمن كردستان شأناً محلياً، بل جزءاً من معادلة الأمن الدولي. هذا الإرث‌ منح القيادة الكردية، وفي مقدمتها نيجرفان بارزاني، رصيداً سياسياً يبرّر حضورها في منتديات كبرى تناقش مستقبل الاستقرار العالمي.

دور عسكري

لكن المسألة أعمق من مجرد دور عسكري سابق. نيجرفان بارزاني يقدّم للعالم نموذجاً لما يمكن تسميته “براغماتية الهوية”. فهو لا يتحدث من موقع الانفصال ولا من موقع الذوبان الكامل، بل من موقع التوازن: إقليم له خصوصيته، ضمن دولة اتحادية لها سيادتها. هذا الخطاب يُطمئن العواصم الكبرى التي تبحث عن شركاء واقعيين، لا عن مغامرات سياسية. في عالم منقسم بين محاور متصارعة، يصبح الصوت الذي يتجنب الاستقطاب قيمة مضافة.

ماذا يقدّم للعالم عملياً؟

يقدّم شراكة في مكافحة الإرهاب، وتعاوناً أمنياً مستمراً، ورؤية ميدانية من قلب منطقة ملتهبة. كما يقدّم تجربة حكم محلي استطاعت، رغم التحديات، أن تحافظ على قدر من الاستقرار النسبي في محيط مضطرب. الشركات والدول لا تبحث فقط عن الموارد، بل عن بيئة يمكن التنبؤ بها. وحين يتحدث رئيس الإقليم في ميونخ، فهو يروّج لكردستان بوصفها مساحة يمكن الوثوق بها سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

في المقابل، ماذا يجني الإقليم والعراق؟

أولاً، اعترافاً سياسياً غير مباشر بالمكانة. الجلوس إلى طاولة واحدة مع قادة العالم يعزّز صورة الإقليم كلاعب مؤثر، حتى ضمن إطار الدولة العراقية. ثانياً، يفتح قنوات اتصال مباشرة مع صناع القرار، وهو أمر حاسم في أوقات الأزمات حيث تُصنع السياسات بسرعة وتعتمد على الثقة والعلاقات الشخصية. ثالثاً، يمنح العراق نافذة إضافية للتأثير؛ فحين تُطرح رؤية من أربيل حول الأمن والاستقرار، فهي في جوهرها رؤية تخص الجغرافيا العراقية بأكملها.

ثمة بعد رمزي مهم أيضاً. حضور رئيس إقليم في مؤتمر عالمي يعكس طبيعة النظام الاتحادي العراقي، حيث تتقاطع مستويات الشرعية بين المحلي والوطني والدولي. هذا لا يعني ازدواجية في السياسة الخارجية، بل يعكس تعددية يمكن أن تتحول إلى قوة إذا أحسن تنسيقها. فالدول الكبرى تدرك أن الاستقرار في العراق لا يُصنع في بغداد وحدها، بل عبر تفاعل مكوناته كافة.

مع ذلك، يبقى التحدي في دقة الميزان. نيجرفان بارزاني لا يذهب بصفة رئيس دولة مستقلة، بل بصفته رئيس إقليم ضمن العراق. نجاحه السياسي يُقاس بقدرته على تحويل الحضور الدولي إلى مكاسب داخلية للاستقرار، لا إلى حساسيات جديدة. البراغماتية هنا ليست خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية: تعزيز المكانة الدولية دون المساس بالتوازن الداخلي.

صورة تذكارية

في النهاية، حضور ميونخ ليس صورة تذكارية في مسرح عالمي، بل تعبير عن فلسفة سياسية تقوم على تحويل الهوية إلى أداة تواصل، لا إلى أداة صراع. العالم يبحث عن شركاء محليين موثوقين في منطقة هشّة، وكردستان تسعى إلى تثبيت موقعها كجزء أساسي من منظومة الاستقرار في العراق.

بين هذين المسارين، تتجلى “براغماتية الهوية” كخيار يربط الإقليم بالعالم، ويجعل من الحضور الدولي امتداداً محسوباً للشرعية الدستورية، لا بديلاً عنها.

 


مشاهدات 83
الكاتب عطا شمیراني
أضيف 2026/02/15 - 2:40 PM
آخر تحديث 2026/02/16 - 6:08 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 660 الشهر 12578 الكلي 13944222
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير