خريف الدواعش في الشتاء العراقي
انتظار العظيمي
في صمتٍ لوجستي مريب، طوى العراق في الثاني عشر من شباط الجاري ملفاً شائكاً طالما أرّق مضاجع الأمن الإقليمي، حيث استُكملت عمليات نقل آلاف السجناء من تنظيم «داعش» من الأراضي السورية إلى العمق العراقي. هذه العملية، التي امتدت لأسابيع وشملت 68 وجبة برية وجوية، لم تكن مجرد إجراء حدودي روتيني، بل هي زلزال أمني صامت يضع الدولة العراقية أمام اختبار هو الأصعب منذ إعلان النصر في 2017.إن لغة الأرقام التي تكشفت عنها هذه العملية تنطق بمرارة الواقع؛ فنحن أمام 5703 سجيناً، يمثلون «خلاصة» التطرف العالمي. وجود 987 أجنبياً من 52 دولة و 4248 عربياً من 15 دولة، يضع بغداد أمام معضلة كبرى: لماذا يتحمل العراق لوحده وِزر «نفايات» الإرهاب الدولي؟ وكيف ارتضى المجتمع الدولي أن يجعل من بلاد الرافدين «مستودعاً بشرياً» لعناصر ترفض دولهم الأصلية مجرد استلام جثثهم، ناهيك عن محاكمتهم؟إن نقل هذه «القنبلة الموقوتة» إلى الداخل العراقي يحمل في طياته مخططات مستقبلية لا يمكن التغاضي عنها. فإفراغ السجون في الشمال السوري في هذا التوقيت بالذات، يوحي بوجود ترتيبات سياسية دولية تهدف إلى تصفية ملفات شائكة على حساب الأمن القومي العراقي.
تكديس السجون
إن تكديس هذا العدد الضخم من العقائديين المتمرسين في سجوننا، يرفع من وتيرة المخاطر إلى مستويات حمراء؛ فالسجون تاريخياً كانت «المحضن» الذي ولدت منه قيادات الجيل الثاني والثالث من الإرهاب، وتحويلها اليوم إلى «أكاديميات دولية للتطرف» هو انتحار أمني طويل الأمد.
علاوة على ذلك، فإن العراق اليوم لا يواجه عبئاً أمنياً فحسب، بل يواجه «استنزافاً سيادياً ومادياً». فإطعام وحراسة ومحاكمة آلاف الأجانب يتطلب ميزانيات ضخمة كان الأولى بها أن تذهب لإعمار المدن المحررة. كما أن الضغوط الدولية المتوقعة حول ملف «أحكام الإعدام» ستحول القضاء العراقي إلى ساحة للمساومات الدبلوماسية، مما قد يخدش هيبة السيادة الوطنية.إننا في «الزمان»، ومن منطلق المسؤولية الوطنية، نضع هذا الملف أمام صانع القرار: لا يجوز للعراق أن يكون «حارساً» لمصالح دول تخلت عن مواطنيها الإرهابيين. إن المطلوب اليوم هو تحرك دبلماسي عاجل لـ «تدويل التكاليف»؛ فإما أن تتحمل الدول الـ 52 كلف احتجاز رعاياها، وإما أن يتم ترحيلهم فوراً لتمضية محكومياتهم في بلدانهم.
إن الصمت عن هذا التهديد، أو التعامل معه كإجراء إداري عابر، هــــو تهاون مـــع مستقــــبل الاستـــــقرار. فالتاريخ القريب علّمنا أن «جدران السجون» ليست منيعة بما يكفي إذا ما توفرت الإرادة الدولية لخلخلة الأوضاع مجدداً. فهل نعي حجم «الهدية المفخخة» التي استلمناها في شباط 2026، أم سننتظر حتى تنفجر الشظايا في وجوهنا جميعاً؟