أكراد سوريا من التهميش البنيوي إلى الإعتراف الجزئي
عمار مامند زيباري
تمثّل القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا القومية تعقيداً واستمرارية في الشرق الأوسط إذ تداخلت فيها إشكاليات الهوية القومية مع بنية الدولة الوطنية الحديثة وسياساتها المركزية وفي الحالة السورية، ظل الوجود الكوردي حاضراً اجتماعياً وديموغرافياً لكنه بقي مهمَّشاً سياسياً لعقود طويلة، ما جعل المطالب الكوردية تتحرّك ضمن مساحة ضيّقة بين الإنكار الرسمي ومحاولات الاحتواء المحدودة.
ورغم وصول شخصيات كوردية إلى مناصب سيادية في الدولة السورية خلال خمسينيات القرن الماضي، مثل فوزي سلو (1951–1953) فإن هذا التمثيل ظل فردياً ولم ينعكس على اعتراف الدولة بالقضية الكردية بوصفها قضية جماعية. ويكشف ذلك عن خلل بنيوي في طبيعة النظام السياسي السوري حيث لم يُنظر إلى الانتماء القومي باعتباره جزءاً من معادلة التمثيل السياسي، بل جرى التعامل معه غالباً بوصفه مسألة أمنية أكثر منه قضية حقوقية.
تعمّقت سياسات التهميش مع تطبيق مشروع التعريب، ولا سيما التعداد الاستثنائي لعام 1962 الذي لم يكن إجراءً إدارياً عادياً بقدر ما شكّل سياسة ممنهجة استهدفت إعادة تشكيل التركيبة السكانية في المناطق ذات الغالبية الكوردية وقد أسفر هذا التعداد عن تجريد أكثر من 120 ألف كوردي من الجنسية السورية وتصنيفهم ضمن فئات قانونية محرومة من الحقوق وأدّى ذلك إلى حرمانهم على مدى عقود من أبسط حقوقهم المدنية والسياسية بما في ذلك حق التملك والعمل والتعليم والمشاركة السياسية.
ويمكن فهم هذه السياسات ضمن إطار سعي الدولة إلى إعادة هندسة الهوية الوطنية بما يتوافق مع تصورات قومية أحادية وهو ما أسّس لحالة إقصاء قانوني وسياسي طويلة الأمد.
شكّلت انتفاضة قامشلو عام 2004 نقطة تحوّل مفصلية، ليس من حيث نتائجها المباشرة بل من حيث تأثيرها في إعادة تشكيل الوعي السياسي الكوردي داخل سوريا وكذلك في إدراك الدولة لطبيعة المسألة الكوردية فقد أظهرت تلك الأحداث حدود المقاربة الأمنية ومهّدت بشكل غير مباشر لتحولات لاحقة في تنظيم الحركة السياسية الكوردية.
ادارة ذاتية
بعد عام 2011، وفي ظل تراجع سلطة الدولة المركزية في شمال شرق سوريا، برزت عام 2014 الإدارة الذاتية في رژئاڤا بوصفها نموذجاً سياسياً قائماً على فرض وقائع مؤسساتية على الأرض ويُلاحظ أن هذا التحول لم يكن نتاج عامل واحد بل حصيلة تفاعل بين الفراغ السياسي والتنظيم المحلي والتحديات الأمنية التي فرضها تمدد تنظيم داعش منذ أواخر عام 2013 إضافة إلى القدرة على بناء علاقات إقليمية ودولية
في هذا السياق، لعب إقليم كوردستان العراق دوراً إقليمياً فاعلاً سواء عبر تسهيل قنوات التواصل الدبلوماسي أو من خلال استضافة لقاءات سياسية مع أطراف دولية وقد ساهم هذا الدور في إدماج الفاعل الكوردي السوري ضمن معادلات التفاوض الإقليمي والدولي دون أن يعني ذلك حسم المسألة الكوردية بشكل نهائي.
ويمثّل الاتفاق السياسي الأخير المتعلق بمناطق رژئاڤا والمدعوم بضمانات دولية خطوة مهمة باتجاه الاعتراف السياسي الجزئي. غير أن هذا التطور يثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول حدود هذا الاعتراف وطبيعة السيادة الذاتية ضمن الدولة السورية وإمكانية استدامة هذا النموذج في ظل توازنات إقليمية شديدة التعقيد.
تكشف التجربة الكـــــــردية في سوريا ، في المحصلة ، عن مسار طويل انتقل من الإنكار إلى التفاوض ومن التهميش إلى الفعل السياسي المنظم دون أن يعني ذلك الوصول إلى حل نهائي فما تحقق حتى الآن لا يمثّل تسوية شاملة للقضية بقدر ما يعكس إعادة تعريف لموقع الكورد ضمن المعادلة السورية.