من الخارج إلى الداخل
إطار نظري للإصلاح السياسي في الدول عالية الإستنزاف الخارجي
محمد عبد الجبار الشبوط
ملخص
تقدّم هذه الورقة إطارًا نظريًا لتحليل مسارات الإصلاح السياسي والاجتماعي في الدول التي تتسم سياساتها الخارجية بارتفاع كلفتها مقارنة بقدراتها الداخلية، وتنطلق من فرضية مفادها أن الضغط الخارجي المزمن يقيّد قابلية الإصلاح الداخلي ويحوّله إلى عملية محدودة الأثر أو عالية المخاطر، وتقترح أن المراجعة العقلانية للتموضع الخارجي تمثّل مدخلًا وقائيًا لخفض كلفة الإصلاح وتعزيز استدامته، من خلال إعادة التوازن بين الطموحات الخارجية والقدرة المجتمعية على التحمل.
أولًا: الإشكالية النظرية
اصلاح داخلي
تثير أدبيات التحول السياسي إشكالية متكررة تتعلق بحدود الإصلاح الداخلي في ظل بيئات خارجية ضاغطة، حيث تُطالَب دول تعاني من عقوبات أو عزلة أو توترات إقليمية بإصلاحات داخلية عميقة دون معالجة القيود البنيوية التي تفرضها السياسة الخارجية، وهو ما يطرح تساؤلًا مركزيًا حول العلاقة بين الضغط الخارجي وقابلية الإصلاح الداخلي، وحول ما إذا كان تجاهل هذا البعد يفضي إلى إصلاحات شكلية أو قسرية مرتفعة الكلفة.
ثانيًا: الفرضية المركزية
تفترض هذه الدراسة أن الإصلاح الداخلي يكون أقل كلفة وأكثر قابلية للاستدامة حين يُسبَق أو يُرافَق بمراجعة عقلانية للسياسات الخارجية، لأن الضغط الخارجي لا يقتصر على تقليص الموارد الاقتصادية، بل يعيد تشكيل أنماط الحكم ويعزز النزعة الأمنية ويضعف الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يجعل الإصلاح في بيئة استنزاف مزمن عملية عالية المخاطر ومحدودة النتائج.
ثالثًا: المفاهيم الإجرائية
تعتمد الورقة مجموعة من المفاهيم الإجرائية، أبرزها مفهوم الكلفة السياسية–الاجتماعية التراكمية التي تشير إلى الأعباء المتراكمة على المجتمع نتيجة خيارات سياسية طويلة الأمد تتجاوز القدرة البنيوية على التحمل، ومفهوم الإصلاح الوقائي الذي يركّز على التدخل التدريجي منخفض الصدمة بهدف منع الانفجار المؤسسي أو الاجتماعي، إضافة إلى مفهوم التوازن بين الداخل والخارج الذي يفترض مواءمة السياسة الخارجية مع القدرة الداخلية، ومفهوم السيادة بوصفها وظيفة حماية مجتمعية لا مجرد خطاب تحدٍّ خارجي.
رابعًا: بنية المسار الإصلاحي
يقترح الإطار النظري مسارًا إصلاحيًا متعدد المراحل يبدأ بمراجعة السياسات الخارجية وفق معيار الكلفة والعائد الداخلي، مع التركيز على تقليل عدد الجبهات المفتوحة وتحييد الصراعات غير الضرورية، ثم ينتقل إلى مرحلة تخفيف الضغط البنيوي عبر تقليل العزلة أو إعادة ترتيب العلاقات الدولية بما يتيح هامش تنفس اقتصادي ومؤسسي، تليها مرحلة تفعيل الإصلاح الداخلي التدريجي في مجالات الإدارة والاقتصاد والمجال الاجتماعي، وصولًا إلى مرحلة ترسيخ الإصلاح ضمن بنية مؤسسية مستدامة مدعومة بتوازن خارجي نسبي.
دراسة نجاح
خامسًا: شروط القابلية للتطبيق
تشترط الدراسة لنجاح هذا المسار تقديم المراجعة الخارجية بوصفها قرارًا سياديًا وقائيًا لا استجابة ظرفية للضغط، وربط أي تعديل في التموقع الدولي بتحسن داخلي ملموس يعزز الشرعية المجتمعية، واعتماد لغة سياسية غير تصادمية تـــــــــــــمنع شيطنة الإصلاح أو تأطيره بوصفه تهديدًا وجوديًا.
تسهم هذه الدراسة في أدبيات الإصلاح السياسي والتحول المؤسسي عبر تقديم إطار تحليلي يربط بين السياسة الخارجية وقابلية الإصلاح الداخلي من منظور الكلفة والاستدامة، متجاوزةً الفصل التقليدي بين المستويين في كثير من الدراسات القائمة، كما تعيد اعادة تعريف مفهوم الإصلاح بوصفه مسارًا وقائيًا طويل الأمد يُقيَّم وفق قدرة المجتمع على تحمّل الكلفة السياسية–الاجتماعية، وتعيد تعريف السيادة بوصفها وظيفة حماية مجتمعية، وبذلك توفّر أداة تحليلية قابلة للتعميم والمقارنة في دراسة الدول التي تعاني من استنزاف خارجي مزمن.
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن الإصلاح الأقل كلفة لا يتحقق عبر فرض تغييرات داخلية في بيئة استنزاف خارجي، ولا عبر تصعيد خارجي يتجاهل حدود القدرة المجتمعية، بل عبر مسار توازني يعيد ترتيب العلاقة بين الخارج والداخل، ويحوّل الإصلاح من استجابة للأزمات إلى عملية وقائية مستدامة تقلل الخسائر وتحافظ على استقرار الدولة والمجتمع.