الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أجيالنا ذمة في رقابكم

بواسطة azzaman

أجيالنا ذمة في رقابكم

ماهر نصرت

 

في كل مرحلة تاريخية تمر بها الأمم تبرز حقيقة مفادها أن الأجيال القادمة ليست ملفاً ثانوياً ، بل هي أمانة في أعناق الطبقات الحاكمة وصنّاع القرار ومسؤولية أخلاقية وقانونية لا تبررها الأعذار السياسية أو الاقتصادية ، فالأطفال الذين يولدون اليوم في بلدنا لا يملكون صوتاً في البرلمانات ولا رأياً في صناديق الاقتراع ، لكن مصائرهم تُرسم سطراً سطراً بقرارات الحكومات الحالية ، وبنوعية السياسات التي تُعتمد القائم على مستوى النزاهة أو الفساد الذي يُدار به المال العام  . إن نجاح الأجيال القادمة وحسن معيشتهم وشعورهم بالكرامة والانتماء مرتبط بحسن تصرف الحكومات ، وبمدى التزامها بمنح الشعب حقوقه بأمانة وإخلاص  دون ظلم أو تمييز أو إقصاء. فالثروات الطبيعية لا تصنع وحدها مستقبلاً آمناً إذا لم تُدار بعقل الدولة لا بعقل  الفساد والغنيمة ، وإذا لم تُحوَّل من أرقام جامدة في الموازنات إلى فرص حقيقية في التعليم والصحة، والسكن والعمل والضمان الاجتماعي . أن بلدنا يطفو على بحار من النفط والغاز والمعادن والموارد البشرية فحين تُهدر الثروات في صراعات داخلية أو تُستنزف في شبكات فساد أو تُستخدم لشراء الولاءآت المؤقتة ، فإن الثمن الحقيقي لا يدفعه الجيل الحاضر وحده ، بل تدفعه الأجيال القادمة مضاعفاً على شكل بطالة مزمنة وخدمات متردية وهجرة قسرية للعقول وانقطاع بين المواطن ووطنه بسبب قتل الروح الوطنية في النفوس. و تبرز لدينا تجارب بعض دول الخليج العربي التي يُشاع عنها بأن بعض الدول تفتح حساباً أو تضع رصيداً مالياً مضموناً لكل طفل يولد وبهذا يُعدّ ادخاراً استراتيجياً لمستقبله ، وضمانة أولية لحقه في التعليم أو السكن أو الاستقرار الاقتصادي هذه الفكرة بغض النظر عن تفاصيل تطبيقها فانها تعكس فلسفة حكم ترى في الطفل مواطناً كاملاً منذ لحظة ولادته لا عبئاً ولا رقماً هامشياً في الإحصاءات السكانية. وهنا يحق لنا أن نتساءل بمرارة ، لماذا لا تحذو حكوماتنا القادمة هذا الحذو؟ لماذا لا يُحوَّل جزء ثابت من عائدات الثروات الوطنية إلى صناديق ادخارية مخصصة للأجيال المقبلة كما هو الحال في صندوق القاصرين وتُدار بشفافية وتُحصَّن بقوانين صارمة وتُمنع من العبث السياسي واطماع الفاسدين ؟ أليس من الأولى أن يشعر الطفل منذ نشأته أن دولته تفكر به وتخطط له وتؤمن مستقبله بدلاً من أن يكتشف بعد سنوات أن وطنه لم يترك له سوى الأزمات والافلاس والحياة المُذلّة ؟ إن الأجيال القادمة ستسأل أجدادها يوماً : ماذا فعلتم بثروات البلاد ؟ كيف صُنعت قراراتكم ؟ وهل كنّا حاضرين في ضمائركم أم غائبين عن حساباتكم ؟ والجواب مهما حاولت الحكومات تجميله سيبقى مكتوباً في مستوى التعليم ونوعية الحياة  ومدى العدالة التي سيحياها أولئك الأبناء فإما أن نكون قد أدّينا الأمانة أو نكون قد خُنّا مستقبلاً لا ذنب له سوى أنه وُلد في زمن قراراتنا .

 

 

 

 


مشاهدات 77
الكاتب ماهر نصرت
أضيف 2026/01/05 - 4:12 PM
آخر تحديث 2026/01/07 - 7:18 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 671 الشهر 4950 الكلي 13112373
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير