الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قصتان قصيرتان

بواسطة azzaman

قصتان قصيرتان

علي ابراهيم

 

رائحة الحُبٌ

بخطواتي المسرعة اقف امامه،وانا بعبائتي السوداء المفضّل لونها وحتى أيام الاعياد ،وهي من المنضدة التي يعرض عليها الملابس المستعملة إستهوتني نفسي أن البسها مرّة أو مرّتينِ حتى هدأت على ثوبي،ولكنٌ الشيء الغريب من ذلك البائع إنٌه شاب جميل متوّرد الخدّين،له انف مناسب لمقاطع وجهه واسنان تمنحها الشفتان لحظة الظهور مع إبتسامة متكرّرة .

إذن هو شاب جميل يقف عند منتصف المحل يرفع الثوب الأحمر ،ويضع مكانه الأخضر تستهويه الألوان ربٌما يفعل ذلك ليروّج لبضاعته التي إعتاد عليها لسنوات كنت اراقبه يحمل البالات من المحل الكبير ليعرضها في المحل الصغير بالات صفراء مغلقة بخيوط ،ومنسّقة حتى إنٌها تغري الواقف ليجد ضالته منها.

كنت امتحن قدرته على الثبات في موقعه هذا ،شاب بتلك الهيأة المقبولة يقضي عمره بين الالوان وأنا ادرس الانكليزيٌة في الكلية ،لا ادري أهيَ هفوة منّي ام طيش لغويّ عند بائع الملابس قلت كلمات متسرّعة you love the rad color ،لم ينتبه لما قلت هل ساستمّر على لغتي  في توضيح ما قلت ؟ تساءلت ربٌما يكون حاصلاً على شهادة جامعيّة وجاءت به السنوات إلى هنا ،وانا منذ سنوات اقف على محلٌه أقلّب الثياب .هل اصابه الخجل مما يحمل في طيّات نفسه من رُقي في التعليم؟او تراه يتخّذ المحل فرصة للنظر الينا نحن النساء ممن يعشقن الألوان التي كثرت بعدإنتهاء الحرب ،وقد لا نقف عند ورود الحدائق الملوّنة .

انظر إليه ثانية يرفع الثوب الأخضر ويضع الأحمر ! هكذا يمارس لعبته مع الثياب كلّ يوم.اخذتني وقاحة نفسي لأجددّ السؤال you love the green color , لم يتكلّم .عندها قلت أنّه لم يحصل على أيّ شهادة جامعيّة حتى يتبادل معي الكلمات والتي غرقت بها خلال دراستي !لتزمت الصمت عوضاً عمّا هدرته من عبارات ثقيلة عليه،والغريب في امره أنٌه يبتسم كلّما رفع الملابس ووضعها بصوت عالٍ. إفيها لعبة يجيدها بعدما أعلن عن سعرها أوّل مرّة ،وما حاجته لكل هذا العبث،ونحن نراها باعيننا ! انظر إليه ماسكاًعليها بقوّة ما يلبث أن يفتح يديه يروّضها اشبه بالساحر تلتفت إليه العيون ،ويغامر فيما يريد ليلقيها على الجانب الثاني ،ويكررّ اللٌعبة اكثر من مرّة .يفتح باطن يده باصابعه وفجوات الخطوط التي عليها. ينظر إليها ويبتسم ،يفتح يده الثانية ويتحسّس نڤس اللعبة مع إبتسامة مماثلة ،كفّان ينظران لبعضهما ،كفّان يكتمان سرّ الثياب الملوّنة ،كفّان يدعكان  الثياب حتى ترتفع حرارة باطنيهما ،ويكرّر إبتسامته.

إنقضى جزء من النهار ،وانا اراقبه كلّما جاءت فرصة بيع الملابس يتسلّم النقود ،ويعاود القبض عليها واحدة بكفّه الأيمن يرمي بها يساراً،وأخرى بكفّه الأيسر يرمي بها يميناً.

حاولت أن ادفن كلمات اللٌغة التي نطقت بها ،يبدو انٌه من أعدائها ،او انٌهاعدوّة له.! اخذت اعبث بالملابس التي يتركها على المنضدة .نطقتُ أمامه بكلمة  وصلت إليه ها..هذه الملابس فيها رائحة ! ضحك هو  ليعيد كلمة قلتها ،وقال بصوت خافت :فيها رائحة الحبٌ ! كنت وقتها انظر إلى الملابس تطير أعلى من اكفّنا تاخذها الفرحةى ،وإكتسبت صفة الإنوثة منه ،توزعّت الملابس على النسوة،اخذت كل واحدة منهنٌ تحثضن ثوباً بيدها ،كانت حصّتي ثوباً احمر واخضر . تذكٌرت الكلمات الاجنبيّة التي نطقت بها،صاح البائع الجميل اليوم كل الثياب بالمجّان اليكنٌ ،لحظات وخلت المنضدة من الملابس اخذت خطوات من البائع اسمعه يقول:نعم هي رائحة الحبٌ ،ولكِ يا صاحبة الثوبين الملوّنين.

كانت خطواتي إلى الأمام ثقيلة ،إستغربت منه يوزّع بالمجّان من اجل الملبسين  الملوّنين ،وكانت من حصّتي ،كم كنت أنا بلهاء نطقت امامه بلغتي الثانية ،ترى ما حاجته إليها ،وهو يفتّش عن الحبٌ ويعلن عن رائحته.!

وفي اليوم الثاني جدّد نداءه على بضاعته الأستهلاكيٌة للأطفال والنساء .قال بصوت عالٍ:انٌها رائحة الحبٌ في وجبة ثياب هذا اليوم ...كانت خطواتي مسرعة امامه،يضحك ،وهوينطق بها، واضحك أنا على سنوات الدراسة

التي لم تعد تنفع فيها الكلمات الاجنبيّة  لشاب يصُّر على صناعة الحبٌ بين النسوة ،وقد تستهوي الرائحة احداهنٌ،فتجعله على مقربة  من صيدها  الثمين  شاب جميل متورّد الخدّين ،ولكن مَن يضمن ان يبيع رائحة الحبٌ لمن احبّته،ولا يعطيها لأخرى تسلبه الحبٌ الذي نبع من منضدة مزاد البالات.

الذّي احبَّ كورونا

احسَّ بالثقل ينزاح عنه وكأنّه يكّرر صعود الجبل كلّ سنة، ولا يهتم اكان الصعود صيفاً ام شتاءً. وبالرغم من إنَّه اكمل ثلاثين عاماً من عمره منها ستّة في وظيفة التعليم ولمسة الشّباب تترك أثرها عليه من تقاطيع وجههِ إلى ملابسه مع الموديل الحديث، ولكنَّ الثقل الذي زاح عنه هو ثمرة ظهور كورونا التي جعلته يؤدّي وظيفته من البيت ويخاطب طلاّبه في بيوتهم إجراءات مفاجئة وكلام كثير، وترصّد لكل حركة عبر جهاز النقّال وحتّى ساعات النوم التي إفتقدها من الدوام الصباحي لسنوات مضت عادت إليه لسنة كاملة، ومن واجبه ان يوقظ طلابه الكُسالى في الحضور المبكر وهم في مرحلة البكالوريا. اصبح يتوسّل بهم لمتابعة محاضراته على منصّة التعليم الالكترونيّ دخلت قلبه قابعاً في غرفته. وفي ذلك اليوم أراد أن يُخفف عنهم الضجر من جلسة البيت وتواصل الدروس، قرر ان يختبر  مدى تفاعلهم  مع كورونا  التي غزت  العالم ولاحقت الكثير  إلى غرف الإنعاش. قال متفائلاً :ليكن درس التعبير مناسباً لهم في الضحى فكتب إليهم... كورونا في بيوتكم... صف مشاعرك وقدرتك على تقبّل هذا الداء المميت، اكتبوا لي، وأنا ساتابع  نبض حركات أصابعكم على الجهاز. ترك مكانه راغباً في هواء الحديقة يتفحّص الاشجار والازهار ان لا تكون هي الأخرى  حاملة  لهذه الكرة الحمراء المدببة! ماذا سيكون عليه العالم يوم ستنخر هذه الارض؟

تجاوز لحظة  إنفعالاته إلى جهازه  يتلّقى إشعارات ومقاطع جلس يتفقّد ما كتبه احد الطلاب، استاذ انا اتابع إبي يلعب الزياضةويحرّك جسمه، ويستنشق الهواء كلّ يوم في حديقة البيت! وقال آخر لقد إعترض من تابعوا تعبيرك في جهازي بانّك تُسوّق لكورونا دعايات كثيرة توقف عن هذا العنوان! وكتب آخر أجريت مع اخواتي وإخوتي مشهداً عن كورونا على سطح البيت وان نموت  واحداً بعد الآخر ما رأيك؟وتابع على الجهاز طالب.. خسرنا جدتي وهي تهذي عن الملاريا  ولا تعترف بكورونا وابي لا يترك الكمامة وقفازي يديه، وعقّب طالب تمنيت مركبة  فضائية  تهبط على سطحنا لنرحل من الأرض وندور في السماء.

وكتب طالب يقول لك ابي متى ستصبح شاعراً لكورونا؟ وتعليق آخر تقول اختي استاذ هل قرأت عن البير كامو في طاعونه؟ ما شانك وكورونا؟! وجاءه ردُّ.. امي فسخت خطوبة اختي لكي لا تموت بالداء! واغرب قول من طالب.. جدتي تسألك عن مرض القراد، ولبس القميص الأحمر وتريد الجواب قبل أن تموت! وطالب يكتب ما رأيك بمقولة جوديث بتلر «» إنَّ العزلة التي فرضها الوباء تتكيف مع إعتراف جديد بترابطنا العاطفيّ»» وسؤال اخي هل سنحلم بعاطفة جديدة تمنحها لنا اجبني استاذ، وإستعجل طالب إرساله.. استاذ أخذنا إرشادات الصحّة بجديّة وتركنا فريضة الصلاة والصوم فماذا علينا؟ وآخر كتب في إطار اسود ((إنّ وعد اللّه حقُّ)) ومع آخر  تعليق  بدأ يراجع كلمات طلابه يستمتع بها، شرع يفصل الكتابات عن بعضها، عن المسرح، عن المرض، عن الامنيات؛وبدا يكتب عنواناً  لاشعارٍ إختار  اسمها.. الذي احبّ كورونا؛ وراى ان يكون العنوان في المسرح افضل إستقّر أخيراً على رواية بهذا العنوان المغري في زمن إرتفع رصيدها في كلّ َمكان، وحدد فترة إنجاز عمله الأدبيّ ما عليه إلاّان يستعّد لعمل خلطة مما تجمّع عنده. جمع بين المتناقضات قدر الإمكان وفصل بين التعليقات في الهامش اشار باصبعه إلى لحظة الشروع، ومع اول سطر اخذ يطبّق ما كتبه الطلاب وتفاعل معهم في البيت. بدا بالرياضة يتمرّن عليها، وتصوّر مشهد كورونا  على سطح احد الطلاب، وضحك على الذي لا يترك  الكمامة والقفاز، ونظر إلى السماء إلى مركبة قد تنزل واُعجب بتمنّيات احد بأنْ يكون شاعراً لكورونا وإستوقفته مشاركة الجدّات، وقرأ عن القراد في جهازه وربط العاطفة بالقميص الأحمر واكدهما بمقولة جوليث بتلر، وتعّوذ بالله من الذي ترك العبادات مع العزلة، وما عساه ان يقول له. وأعاد النظر مليّاً في الآية وإطارها الأسود وأكثر من التهليل والتسبيح.

بدا يكتب على الجهاز صفحات روايته ووثق بكُلّ الشخصيّات التي تفاعلت معه، احسّ بأنّ الرواية اكثر  إنتشاراً من أجل الحصول على الجائزة، اضاف شعراً ومقالة  في روايته، تمنى انْ تشاركه الجدّات في إ َتمامها فعندهُنَّ خزائن الحكايات، وهُنَّ شغوفات  بها وكتب إلى طلابه ضرورة مشاركة جدّاتكم في روايتي راسلوني على الجهاز، وما زال يكتب عن التي لم تنتهِ وكان هو الذي احبَّ كورونا.


مشاهدات 149
الكاتب علي ابراهيم
أضيف 2026/01/05 - 3:20 PM
آخر تحديث 2026/01/07 - 5:16 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 605 الشهر 4884 الكلي 13112307
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير