الصراحة والوقاحة
زكي الحلي
دائما ما التقي اشخاص شديدي الثقة بأنفسهم ويكررون عبارة الصراحة تزعل وبجعلون كلمة الصراحة مدخل لتوصيل رسالة سلبية او اهانه بصورة غير مباشره
وبما ان الصراحة من القيم الأخلاقية الرفيعة التي يقوم عليها بناء العلاقات السليمة بين الناس، فهي تعبير صادق عن الرأي بقصد الإصلاح والتقويم. وقد لخّص الإمام علي بن أبي طالب (ع) هذا المعنى في قوله: «صديقك من صدقك لا من صدّقك»، أي أن الصديق الحقيقي هو من يقول لك الحقيقة كما هي، وبدون ان يقلل من رأيك او شخصيتك ولا يجاملك أو يوافقك على الخطأ إرضاءً لك. غير أن الصراحة، حين تُفهم أو تُمارس بشكل خاطئ، قد تنقلب إلى وقاحة تجرح المشاعر وتفسد العلاقات.
الصراحة الإيجابية الناصحة تنطلق من نية صادقة، وتهدف إلى الخير والإصلاح، وتراعي الزمان والمكان وأسلوب الخطاب. فالنصيحة الصادقة تكون بلطف واحترام، وبروح المحبة والحرص على مصلحة الآخر، لا بروح التعالي أو الإهانة. لذلك كان الناصح الحكيم يختار كلماته بعناية، ويوازن بين قول الحقيقة وحفظ كرامة من أمامه.
أما الوقاحة التي تُبرَّر بحجة الصراحة، فهي في حقيقتها افتقار إلى الذوق والأخلاق. إذ يتخذ بعض الناس من “قول الحقيقة” ذريعة لجرح الآخرين، أو السخرية منهم، أو التقليل من شأنهم دون مراعاة لمشاعرهم. هذا النوع من الصراحة لا يبني، بل يهدم، ولا يُصلح، بل يزرع العداوة والنفور.
إن الفرق الجوهري بين الصراحة والوقاحة يكمن في النية والأسلوب والهدف. فالصراحة تهدف إلى الإصلاح وتُقال بأدب، أما الوقاحة فتهدف إلى الإيذاء ولو تسترت برداء الصدق. ومن هنا، فإن التحلي بالحكمة والأخلاق هو ما يجعل الصراحة قيمة سامية لا سلاحًا جارحًا