رحلة النور.. شهادة خطاط بكتابة المصحف الشريف
السليمانية - رضوان جاسم الحسيني
منّ الله عليّ بأن أكون أحد خَدَمة كتابه العزيز، وأن أُشرّف بكتابة جزء من المصحف الشريف، ذاك الكتاب الذي لا يمسّه إلا المطهّرون، ولا يكتبه إلا من طهّره الله سرًّا وجهرًا.
في صباح مبارك، من يوم لا يزال نوره في ذاكرتي حيًا، تلقّيت مكالمة من مدير إدارة مؤسسة ابن البواب للخط العربي والزخرفة الإسلامية حسين عبد الله ، الفتية بعمرها وكبيرة بنجازاتها زفّ لي فيها بشرى اختياري ضمن ثلاثين خطاطًا من العراق وإقليم كردستان للمشاركة في مشروع كتابة المصحف الشريف، تحت إشراف وزارة الثقافة والآثار العراقية. في تلك اللحظة شعرت وكأن نداءً نورانيًا قد اخترق قلبي، نداءً يفيض رحمة وطمأنينة، وكأن الحرف القرآني قد دعاني لأصافحه بحب وخشوع. وقد أُسندت إليّ كتابة الجزء العاشر من كتاب الله، فسارعت إلى أستاذي الفاضل، وخبير الخط العربي المعروف، طارق العزاوي، وطلبت منه أن يستلم مستلزمات الكتابة من الجمعية المختصة في بغداد، لكنه، ولِحكمة إلهية لا نعلمها، أصيب بوعكة صحية عند وصوله إلى السليمانية، فكان لي شرف مرافقته وخدمته في المستشفى مدة سبعة أيام، وهو شرف روحي لا يقل قداسة عن خدمة الحرف. ومع طلوع فجر اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك لعام 1445 هـ الموافق 2024 م، بدأت رحلتي النورانية، فكنت أرسم مخطط الصفحة الأولى (السكيج) في النهار، وبعد الإفطار أشرع في كتابة الآيات المباركة، وكأنني أتنفّس عبر الحبر، وأحيا بالحروف، فلم يكن الليل ينقضي إلا وقد نسيت نفسي بين سطور من نور، حتى يدعوني أهلي للسحور.
كل صفحة كنت أنتهي من كتابتها، أرسلها إلى أربعة من أهل العلم والتدقيق، إخوة وأصدقاء صدق، هم: مشتاق العزاوي، إمام وخطيب التكية العلية القادرية الكسنزانية، محمد شيت،علاء محسن، مدير مكتبة التكية الكسنزانية،و بهجت محمود.كانوا يتولون تدقيق اللغة، ثم أعيدُ النظر في كل صفحة بمحبة وتأمل، أراجع، أزخرف، وأهذّب حتى ترقى الكلمات إلى ما يليق بكلام الله تعالى. وهكذا، امتدت رحلتي المباركة حتى اليوم الخامس والعشرين من رمضان، حيث وضعت آخر قطرة حبر في نهاية الجزء العاشر، وكانت لحظة امتزجت فيها مشاعر الحزن بانقضاء تلك الأيام النورانية، مع السكينة التي ينفرد بها من أتم عملاً لوجه الله، والفرح الغامر بأن أكرمني الله بهذا المقام العظيم.
لقد أيقنت أن الخط لا يُصبح فنًا جميلاً إلا إذا خرج من أعماق القلب، وأن المصحف الشريف لا يمنح بركته إلا لمن لامسه بخشوع وتواضع، وأن الحرف إذا اقترن بالإيمان صار طريقًا للسمو، وسبيلاً إلى التزكية.
أهدتني هذه التجربة من التأمل ما لا يُشترى، ومن الصفاء ما لا يُوصف، ومن الإخلاص ما لا يُنسى، فقد صار كل حرف أكتبه صلاة، وكل نقطة دعاء، وكل خط محرابًا صغيرًا تجلّت فيه أنوار الذكر. شعرت أنني لا أكتب بالحبر فقط، بل بأنفاسي، وأن نوره تعالى كان يتسلّل من بين أصابعي ليسكن قلبي.
وهكذا، أدوّن اليوم هذه التجربة، لا من باب السرد، بل من باب الشهادة، شهادة إيمانية وفنية على أن الفن إذا ما اقترن بالإخلاص، أصبح عبادة، وأن الخط إذا ما غُمس بروح الذكر، صار تطهيرًا للنفس قبل الورقة.
أوصي كل خطاط، وكل فنان، أن يجعل من حرفه طريقًا للنور، وأن ينقش كتاب الله أولًا في قلبه، ثم في قلمه، فإن القرآن نور، والحرف مرآته، ومن حمل الحرف بأمانة، بورك في دنياه وأخراه.
*اضاءة:
الحسيني خطاط ومشرف قسم الفنون الجميلة في المجلس الثقافي الكسنزاني العالمي