00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  محمد حسين الشامي يكشف لـ (الزمان) بعد أربعين عاماً أسرار إعتقاله  2-2

حوارات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

محمد حسين الشامي يكشف لـ (الزمان) بعد أربعين عاماً أسرار إعتقاله  2-2

أوراق السفير وتداعيات حكم البعث بعد تموز 1968: عندما كنت أزور محمد باقر الصدر يستقبلني بقوله (أهلاً أبن عمي)

 

{ قلت لإبراهيم الجعفري عندما كان رئيساً للوزراء (أوفيت لك وانت لم توف)

{  طاهر العاني حرّف أقوالي في إجتماع المحافظين وتم نقلي إلى المنظمات الشعبية

{ حسن العلوي كتب عن إعدامي في (دولة المنظمة السرية) وأنا حي في الحاكمية

{ قابلت المرجع الديني الخوئي لشرح أبعاد الممارسات في عاشوراء

{ طلبت مقابلة البكر لأشرح له ملابسات التجني بقضية الطبخ في الأربعين

احمد عبد المجيد

 

من بين حشد الصور التي ظلت عالقة في ذهني، مشهد شاب يرتدي بزة الحرس القومي، ظل ثابتاً، مع قلة قليلة جداً من رفاقه عند مدخل المكتبة المركزية في مدينة كربلاء. كان الحدث صاعقاً وكان الارتياح بادياً على الشارع باطاحة عبد السلام عارف بالبعثيين صبيحة يوم 18 تشرين 1963 وفيما اخذ الاعلام الحكومي يطلق على الحدث (ثورة تشرين)، كان عدد الاهالي الذين تجمهروا امام المكتبة التي تحولت بعد انقلاب 8 شباط 1963 الى مقر للحرس القومي، يزداد اتساعا مع تطور ساعات اعلان عارف، نجاح (الثورة) وعرض مزيد من جرائم الفئة التي اطاحت بعبد الكريم قاسم وعاثت فسادا في البلاد، بحسب منطق بيانات تشرين.

وفي 19 تشرين، لم يعد قادراً على الاستسلام للشرطة المحلية من عناصر الحرس القومي، الا فئة قليلة جداً، وكان من بينهم الشاب محمد حسين محسن الشامي، المشهور باسم (حسن الشامي) بين العناصر البعثية التي عرفت في كربلاء، كبدري وأخيه حميد الكلكاوي ومحمد مجيد القرعاوي ومهدي الخزرجي وعدنان وطارق وياسين اولاد طه الالوسي وحسن السعيد وعبد الواحد شمس الدين، وهذا الاخير الذي كان قائداً للحرس القومي، اعطى الايعاز لرفاقه للاستسلام حقناً لدمائهم واعترافاً بتقويض سلطة البعث التي وصلت الى الحكم على جثث بعض الضباط الاحرار ومنهم قاسم والمهداوي وماجد محمد امين والشيخ وسواهم. وكنت في الصف الخامس بمدرسة العباس الابتدائية للبنين، عندما عاصرت الحدثين في عامي 1963 -  1964.

وبشأن خطوات عملية الاعتقال قال الشامي في (أوراق السفير):

مثلما توقعت فبعد ان حضرت في اليوم الاول مؤتمر السفراء الذي كان يديره وزير الخارجية في حينها المرحوم الدكتور سعدون حمادي، وفي اليوم الذي بعده تم اعتقالي في المحجر المنفرد لمدة تقارب الخمسة اشهر، ثم تم نقلي الى الحاكمية الجديدة والتي اسميتها (باستيل العراق) وقد قضيت في احدى غرفها سبعة عشر شهرا انفراديا، فيكون مجموع المدة التي قضيتها في الاعتقال الانفرادي اثنين وعشرين شهرا، وقد تم فصلي من الحزب واقصائي من الوظيفة، اضافة الى صدور منع السفر عني، والذي استمر لمدة ست سنوات، فتصوروا ان شخصاً يحضر مجلس فاتحة يقضي كل هذه المدة في الاعتقال، فكان الله في عون الاخرين، ولا يخفى عليكم ان الاعتقال الانفرادي صعب للغاية يجعل الانسان احيانا يشذ في تفكيره وتصرفاته ويفضل الموت على الحياة، حيث لا راديو ولا صحيفة ولا قلم ولا ورقة، بل يكلم الجدران مع نفسه خلال الاربع والعشرين ساعة، وهو ما يدفع بالمعتقل الى التفكير بالانتحار، أي يفضل الموت على الحياة، وفي يوم 21/9/1980 طلبت من مدير الموقف داود كامل ورقة وقلماً لاكتب رسالة الى الرئيس صدام وقد جلبها لي.. واتذكر بانني كتبت في هذه الرسالة تاريخ حياتي الحزبية والوظيفية والمناصب التي تقلدتها، واوضحت له بأنني لم اسرق ولم ارتش ولم اكن جاسوسا وانني اخشى انه تم نقل صورة مشوهة له عني هي غير صورتي وغير حقيقتي ورجوته تقديمي الى المحكمة لمحاكمتي وحتى لو حكمتني المحكمة بالاعدام، فلن اطلب الرحمة من القاضي وغلفتها وسلمتها لمدير المعتقل وفي اليوم التالي مساء سمعت اطلاق نار وقصف ولم اعرف ماذا يجري، فقلت مع نفسي عسى ان يكون انقلابا ونخلص من هذا الحكم الجائر، وفي اليوم التالي ظهرا وانا واقف على المغسلة في غرفتي، واذا بشباك الباب ينفتح فأدرت رأسي واذا ببرزان رئيس جهاز المخابرات ومجموعة من رجاله يقفون وراءه، فتقدمت نحو الشباك وسألني عن حالي واذا كنت محتاجا لشيء، فقلت له بأنني كتبت رسالة قبل يومين الى السيد الرئيس، فأرجو ايصالها، ثم سألته عن اطلاق النار الشديد الذي سمعته قبل ليلة، فأجابني بالحرف الواحد (عربستان احتليناها وقصر شيرين بأيدينا) ومنه عرفت بان الحرب قامت بين العراق وايران. بعدها بخمسة او ستة ايام لم اسمع صوت اطلاق نار، فقلت في نفسي ان الحرب، انتهت لاسيما ونحن معتادون ان حروب العرب مع العدو الصهيوني كانت لايام معدودة. وكانت الغرفة التي سكنتها في (باستيل العراق) غرفة كبيرة مغلفة بالسيراميك الاحمر في داخلها الحمام وفيها تبريد وتدفئة مركزية، فكان القفص السابق ارحم لي من هذه الغرفة، لانني كنت في القفص اتحدث مع المعتقلين داخل الاقفاص الاخرى، التي بجانبي وخلفي، اما الان فاتحدث مع الجدران وكانت من ضمن الاساليب النفسية التي يمارسها مدير موقف الحاكمية المدعو (النقيب داود كامل)، ان يسد القفل الرئيس للماء البارد للحمامات ويبقي انبوب الماء الحار الساخن لوحده يغلي، لكي لا يستطيع احد من المعتقلين الاغتسال. وفي احد الايام خلال زيارته لهذه الغرف قلت له لماذا تقفلون الماء البارد؟ هل هذه هي المبادئ التي تعلمتموها من الحزب؟ كنت طيلة فترة وجودي اتحدث معهم بلغة جريئة، لاسيما انني لست لدي قضية معهم وان قضيتي مع الرئيس صدام حسب قولهم، فكان ينكر ذلك ويذهب لفتح الماء البارد وبعد يوم واحد يعود للنهج نفسه. وبعد ان مضى على اعتقالي عام واحد كنت اعتقد بانه سيتم الافراج عني لانني لست محكوما بل محجوزاً ولا يوجد حجز في كل قوانين العالم الى ما لا نهاية، وعندما بدأت السنة الجديدة لم يتغير شيء ففكرت مليا وكثيرا في اسلوب الانتحار، فلم اجد طريقة لمسك اسلاك الكهرباء او سكينا او اي آلة جارحة لاقطع وريدي. وانتهى بي التفكير ان اضرب رأسي في الجدار، فالغرفة كانت مغلفة بالسيراميك وبابها كتلة حديدية سميكة وفي وسطها شباك يفتح من الخارج لايصال الطعام بوجباته الثلاث، وكان عليّ حارسان يتناوبان الحراسة احدهم اسمه (ابو محمود) ولا يسمح لبقية الحراس مشاهدتي، وفي شهر مايس 1981 طلبت مقابلة احد مسؤولي الحاكمية فاحضروني الى مدير تحقيقها (وضاح الشيخ) الذي وافاه الاجل بعد حضوره محاكمة صدام، وخلال لقائي معه طلبت منه معرفة مصيري، لاسيما انه مضى على حجزي اكثر من سنة، فأجابني بالحرف الواحد بانه ليست لديهم اي قضية معي، وانما انت ضيف عندنا وان امر الحجز هو من الجهات العليا ومن دون تحديد للمدة، فطليت منه بنقلي من غرفتي الى احدى الغرف، التي تضم معتقلين او نقل البعض منهم الى غرفتي.

لماذا كان حجزك انفرادياً؟

أجابني بعدم امكان ذلك، لان الامر صادر بحجزي انفراديا، فرجعت الى غرفتي، وانا افكر بمسألة الانتحار، وبعد اخذ ورد في الافكار وجدت ان افضل وسيلة هي ان اضرب رأسي عند حافة التقاء جدارين من جدران الغرفة حيث يكون حادا، لانه كما ذكرت من السيراميك، فتهيأت للموضوع نفسيا، وباشرت بضرب رأسي ضربة واحدة، الا انها لم تكن بالقوة المطلوبة، فسال الدم من رأسي قليلا وعند مجيئ الحارس لتقديم وجبة الغداء شاهد الدم ورأسي مجروح، فأخرجني الى صالة العمليات الجراحية في الحاكمية وجرت مداواتي وتضميد رأسي، ومن ثم العودة الى غرفتي، ومضى على حالتي اكثر من شهرين من دون ان اعرف اي شيء عن مصيري، وفي المحاولة الثانية للانتحار استعديت استعدادا نفسيا اكثر من المرة الاولى، فضربت رأسي بقوة ومن شدتها صرخت من شدة الالم من دون ان اعرف لماذا صرخت واخذ الدم يفور من رأسي وكأنه النافورة ولان الله عز وجل اراد لي البقاء، ففي الفترة التي صرخت فيها لشدة ألمي كان الحارس ابو محمود يمر من امام غرفتي، فسمع الصوت وفتح شباك باب الغرفة وذهب مهرولا وجلب المفتاح واخرجني لصالة العمليات، وهناك جرت خياطة رأسي وتضميدي مع اعادتي الى غرفتي، واعطوني مجموعة من الفيتامينات لانني نزفت دما كثيرا، واخرها الضربة الثالثة وكانت في نهاية الشهر العاشر من عام 1981 وبعد الظهر مباشرة فكانت ضربة قاسية ومؤلمة لا تختلف بشدتها عن الضربة التي قبلها واخذ الدم يفور كالنافورة، واتذكر بأنني صرخت (يا ربي لو تاخذ عمري لو تفرج عني) وسقطت ارضا بدمي وغبت عن وعيي، ولم اعرف كيف تم نقلي الى غرفة العمليات، حيث افقت مجددا في الليل ولم اعرف الوقت، لان حتى ساعتي اخذت مني مع بدلتي عند بداية اعتقالي، فانتبهت على نفسي وانا ممدد على سرير صالة العمليات ومصباح الصالة فوق رأسي، فبدأت استعيد الذاكرة لمعرفة سبب وجودي هنا، فتذكرت بأنني اقدمت على الانتحار، عندها اغرورقت عيناي وانا اعاتب ربي (ليش يا ربي، اخذ عمري وخلصني) لان تكرار مثل هذه الضربات ليس بالامر الهين او السهل، بعدها انتبهت على من حولي فوجدت من رجال الحاكمية كانوا متواجدين في الصالة يتقدمهم مدير الحاكمية خليل التكريتي (ابو شوارب)، فصاح بصوته الخشن المبحوح (ليش يا استاذ اسوي بنفسك هيجي ليش)، فأجبته بصوت عال (انت ما شايف بشر يريد الموت.. ولكم اريد أموت خلصوني)، وعلى الفور انسحب الجميع من الصالة وقد يكون انسحابهم خوفا من المضاعفات، التي قد تصيبني وبعد ان اكمل الطبيب خياطة جرحي العميق وتضميد رأسي قادني الحارس الى غرفتي، فوجدت بانه قد تم غسلها لكثرة الدماء التي نزفتها، فمكثت فيها منهوك القوى لا اقدر على الحراك، وكلما يمر بي حراسي اقول لهم بانني تمرست على محاولة الانتحار وانني سأقتل نفسي سأقتلها، وبعد ستة الى سبعة ايام جاءني الحارس وفتح لي باب الزنزانة وقادني الى غرفة مدير التحقيق (وضاح الشيخ) وبعد السلام قال لي بان رئيس الجهاز يريد ان يكلمك بالتلفون وكان في حينها برزان التكريتي، وبعد ان طلبه اعطاني السماعة لاحدثه وحين سماعه لصوتي قال لي (ليش تسوي بنفسك هالشكل) فقلت له بان صبري قد نفد ولا طاقة لي للتحمل اكثر مما تحملت، ولاسيما انني لا اعرف مصيري فأخذ يكلمني وقال لي (انا اريد منك ان تهدأ وتترك الموضوع عليّ هل عرفت ماذا اقول لك؟) قلت له طيب على الاقل اخبر الجماعة بان يعطوني يوميا صحيفة، فقال لي اعط سماعة التلفون الى وضاح، فأعطيتها له وبعد هذا اللقاء والمكالمة بدأت تصلني يوميا صحيفتان ففوجئت بان الحرب الايرانية – العراقية مازالت مستمرة وقد مضى على اندلاعها اكثر من سنة، ومن دون توقف. فبدأت اقرأ الصحيفة من ألفها الى يائها وحتى المواضيع، التي ليست لي رغبة بها كنت اقرأها كالمسرح التراجيدي وغيرها، وذلك لكي اقضي الوقت. بعدها بدأوا باخراجي من الغرفة الى سطح الحاكمية للتشمس وفي الاسبوع مرتان او ثلاث لان جسمي اصبح اصفر كالكركم، لعدم رؤيتي للشمس طيلة الفترة الماضية. بعدها خصصوا لي كل يوم اربعاء اخرج الى غرفة التلفون، وابدأ بمحادثة اهلي في مدينة كربلاء الذين عرفوا اني ما ازال على قيد الحياة، بعد ان يئسوا من وجودي ولاسيما بأن الكاتب العراقي حسن العلوي كان قد اشار في كتابه المعروف (العراق دولة المنظمة السرية) بان نظام الحكم كان قد اعدمني ولا ادري الى ماذا استند السيد العلوي في تدوين معلوماته هذه... وبعد مرور شهرين تقريبا على هذه الحالة بدأ وضعي الصحي بالتحسن، وفي 13/1/1983 صدر فجأة قرار بالافراج عني. وعند خروجي من المعتقل علمت بان قرارا قد صدر بفصلي من الحزب، فحمدت الله وشكرته، لانني عملياً كنت منقطعاً عن تنظيم الحزب منذ نهاية 1976. وقد تبدلت قناعاتي السياسية، والقرار الاخر صدر باحالتي على التقاعد، فحمدت الله وشكرته ايضا ولم اراجع دائرة التقاعد قطعا ولم استلم اي مستحقات، بل فتحت لي مكتباً قانونياً وتجارياً وبدأت بالعمل الحر (وكان قد صدر قراران لمنع سفري استمر لمدة ست سنوات) وقد حاولوا معي عدة مرات لكي اعود الى الحزب والوظيفة وطلبوا مني تقديم طلب بذلك فرفضت متعللا بأنني مريض ولا اصلح للعمل الحزبي والوظيفي، ولاسيما ان مرض السكر والضغط، قد جاءني خلال فترة الاعتقال والشيء الظريف والمضحك ان مدير الموقف (داود كامل) عندما تهيأت للخروج اثر قرار الافراج عني طلب مني بالا اتحدث عن اي شيء رأيته في الاعتقال، لان ذلك ممنوع منها باتاً فأجبته وهل انني رأيت شيئا؟)

ويتحدث الشامي في اوراقه التي بلغ عددها في الكتاب 145 صفحة عن مدة توليه محافظة كربلاء :

(قبل ان اتحدث عن فترة عملي محافظا لكربلاء اود ان ابين بانه بتاريخ 15/10/1973 باشرت محافظاً لمحافظة المثنى واستمرت في العمل فيها لمدة سنتين، وخلال هذه الفترة كان قد تم اعداد دراسة في قيادة الفرات الاوسط تتعلق بموضوع انهاء المظاهر السلبية في شهر محرم الحرام كالتطبير والزنجيل ويضاف لها (الدربشة). وكانت الدراسة تتحدث عن انهاء هذه المظاهر بالاقناع وليس بالاكراه، وذلك من خلال عقد اللقاءات والندوات وتوجيه الممارسين لها بان هذه الممارسات لا تنسجم مع تطور المجتمع وبأنها ظاهرة من ظواهر التخلف وهي دخيلة علينا وليست لها علاقة بالدين الحنيف. وقد رفعت هذه الدراسة الى القيادة فأقرتها وعممتها على كل المحافظات للالتزام بها وتم التحرك على هذا الاساس باستثناء محافظة كربلاء، التي كانت تضم كربلاء والنجف، فكان بامكان الممارس لهذه المظاهر ان يسافر الى كربلاء والنجف لممارستها في حالة عدم اقتناعه بتركها. وفعلا قد تم تطبيق هذه الدراسة وبنجاح في عموم المحافظات. وفي المثنى لم يخرج مخالف واحد واتذكر بأننا اقمنا احتفالا دينيا كبيرا ألقى فيه الشعراء والخطباء كلمات تمجد استئهاد الامام الحسين (ع) وكيف انه واهل بيته وقفوا بوجه الطاغية يزيد، الذي انحرف كليا عن طريق الحق، وان وقفة الامام هذه هي للاجيال المقبلة، لتؤخذ منها الدروس والعبر ويلتزموا بالمبادئ التي جاء بها الرسول الكريم محمد (ص). وكان من ضمن الكلمات كلمة الشيخ احمد السماوي، رحمه الله ممثل المرجع الديني الاعلى في النجف وفي عام 1975 وصدر امر بنقلي الى محافظة كربلاء، حيث باشرت فيها بتاريخ 15/10/1975 وكان قد صدر امر بانهاء هذه المظاهر في كربلاء والنجف وطلبت القيادة التحرك لاستحصال فتاوى من المراجع الدينية بتحريم هذه الممارسات وباشرت التحرك على مراجعنا الدينية في النجف الاشرف. فالتقيت المرجع الاعلى السيد ابو القاسم الخوئي رحمه الله، وتناقشت معه بشأن اصدار فتوى تحرم المظاهر السلبية واخبرته بان قراراً صدر بمنعها وقد شرحت لسماحته بأنني اتذكر عندما كنت صبيا سهرت مع اخوتي ليلة العاشر من محرم حتى الصباح لارى كيف يتم التطبير.. وعند اذان الفجر خرج الممارسون للتطبير فقسم منهم ادى صلاة الصبح وقسم اخر لم يؤدها. فقلت لاية الله الخوئي كما تعلمون ان الحسين (ع) عندما خرج لمقابلة جيش الطاغية يزيد الذي بدأ بالانحراف بالامة عن دين محمد (ص)، قدم حياته وحياة عائلته واصحابه دفاعا عن القيم الاسلامية الاصيلة، فالمفروض بالمسلمين اتباع المبادئ التي استشهد من اجلها الامام بالسلوك والاخلاق والتربية التي امر بها الخالق من خلال رسوله الكريم (ص)، لا ان نترك الواجبات الدينية ونمارس ممارسات لا تمت الى الدين بصلة، لاسيما ان هذه الممارسات لم تصدر بفتاوى من رجال دين معتبرين يجيزونها، وتاريخيا فان السيد محسن الامين العاملي وهو من كبار رجال الدين الذي كان يسكن النجف الاشرف اصدر فتوى بتحريم التطبير، فبدأ الرعاع بمضايقته عند خروجه الى حرم امير المؤمنين (ع) ويرشقونه بقشور البيض مما اضظره الى توضيب اغراضه والرحيل الى الشام حتى وفاته هناك، وتم دفنه في مدخل صحن السيدة زينب (ع)، وكلما اذهب لزيارتها اتوجه الى قبره لقراءة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة، فأجابني السيد الخوئي رحمه الله بالحرف الواحد (ابني احنا ما راح نوكف ضد اجراءاتكم بس انتو على كيفكم ويا الناس).

 ومن ضمن الذين قابلتهم الشهيد محمد باقر الصدر، الذي كنت اكن له كل الاعجاب والتقدير قبل ان التقي به حيث كنت قد قرأت له في عام 1965 كتاب اقتصادنا (رغم انه كان اكبر من استيعابي له) فكنت اقول مع نفسي هل من المعقول ان لدينا رجل دين يناقش النظرية الماركسية والنظرية الرأسمالية ويبرز النظرية الاسلامية في الاقتصاد، وتشاء الصدف ان التقيه بعد ان تم تعييني محافظا لكربلاء وكنت كلما ازور النجف اتوجه الى داره لزيارته والجلوس معه جلسة (القرفصاء) وكان يستقبلني بـ (اهلا بابن عمي).

في حينها طرحت عليه موضوع انهاء الممارسات السلبية في محرم، فكان رده كالاتي (ابن عمي انا وياكم بهذا الاجراء ولكن يجب ان تحسبوا حسابا ان هذه الممارسات صار لها سنين، فعندما تلغوها اطرحوا البديل عنها) فقلت له: ما هو مقترحكم يا سيدنا؟

فقال: انتم الان عندما يتوفى رئيس الدولة الا تعملوا له حدادا؟ قلت نعم... قال وماذا تعملون في هذا الحداد.. فقلت له: بان اجهزة الاعلام تتوجه توجيهاً خاصا لهذه المناسبة، فقال: وكيف؟.. فقلت له: الاذاعة والتلفزيون تبث قراءة القرآن مع التواشيح الدينية، فقال: طيب بهذه المناسبة بالاضافة الى ذلك يتم بث قصة مقتل الحسين (ع).. وهذا الطلب من وجهة نظري مشروع جدا وكان يفترض ان يتم تنفيذه.. وبدوري قمت بطرح تحركي هذا في اجتماع عام بوزارة الداخلية كان يديره عزت الدوري وطاهر العاني، وحضره كل محافظي العراق انذاك وعدد من مسؤولي المحافظات، الا ان هذا الطرح لم يرق لعضو القيادة (طاهر العاني) وقد حور الامور ونقل بصورة مشوهة للقيادة مدعياً أنني طائفي وبأني طرحت في الاجتماع بان زوجة الرئيس البكر، عندما توفيت اقيم لها حداد، وهذا الحسين (عليه السلام) لماذا لا تقيمون له الحداد؟ وهذا ليس بالمنطق السليم اذ ما هو وجه المقارنة بين وفاة زوجة الرئيس البكر واستشهاد الامام الحسين (ع)، وكان الغرض من طرحه هذا هو تصفيتي لانني كنت في كثير من الامور اختلف معه، وعلى اثر ذلك جرى تحقيق موسع مع كل الاشخاص الذين كانوا حاضرين في اجتماع وزارة الداخلية المذكور، فقد دافع الجميع عني وذكروا بأنني كنت انقل وجهات نظر ولم ابد رأيا باستثناء عضو القيادة (طاهر العاني) وابن خالته (لا اتذكر اسمه) كان مسؤولا عن تنظيم محافظة واسط، حيث اتهمت في حينها بأنني طائفي وعلى اثرها تم نقلي من محافظة كربلاء الى مكتب المنظمات الشعبية).

اما كيف علم بخبر نقله من كربلاء؟ قال السفير في اوراقه

(كنت في زيارة رسمية الى ايران بدعوة من محافظ مشهد الذي كان يشغل ايضا منصب نائب للشاه في توليه لسدنة الحرم الرضوي الشريف، وخلال لقائي والوفد المرافق برئيس وزراء ايران في حينها (عباس هويدا) الذي كان يتحدث العربية بطلاقة وباللهجة اللبنانية، حيث كان قد انهى دراسته الجامعية في لبنان فقال لي بالحرف الواحد (سمعت بانك منقول الى وظيفة اخرى) فأجبته نحن مثل العسكر نخدم في اي مكان، وعندما عدت الى العراق بعد ثلاثة ايام عرفت بأنني نقلت فعلا من محافظة كربلاء، فقلت في نفسي كيف عرف عباس هويدا بنقلي وانا لا اعرف ولماذا بلغ بذلك؟ فقــــــــد وصل خبر كلام عباس هويدا معي الى سعدون شاكر المدير العـــــــــــام للمخابرات في حينها، فاتصل بي هاتفيا وطلب مني زيارته، وعند لقائي به سألني عن مدى صحة ما اخبرني به عباس هويدا فقلت له: نعم هذا الذي جرى، فهذا يدل على ان المخابرات الايرانية تعمل في العراق منذ زمن. فباشرت على الفــــور اعداد التقرير الاداري من السلف الى الخلف، وبعد ان انجــــــزته انفكـــــــــــكت من الوظيفة على الفور بتاريخ 14/12/1976 اي قــــــــبل موعد زيارة الاربعين بـ (4-5)  ايام، لانني لا اريد ان اتحمل مسؤوليتها، لاسيما ان قناعاتي السياسية بدأت تتغير.

وفي يوم انفكاكي بالذات، باشر الخلف عزيز صالح النومان الذي حصلت له مشكلة مع الناس الذين يطبخون على حب الحسين (ع) وال بيته، حيث كان في حينها يبدأ الطبخ في ليلة الاربعين وليس كما هو الان. واذكر انني في حينها طلبت مقابلة المرحوم الرئيس احمد حسن البكر وخلال المقابلة شرحت له الملابسات والتجني الذي حصل علي، ومن ضمن ما قلت له (سيدي انتم تريدون تكسبون الناس لو تريدون الناس تتنرفز منكم؟) فقال لي (لا ابني نريد نكسب ود الناس)، فقلت له الناس ليلة الاربعين يطبخون الطعام على حب الحسين (ع) فلماذا يتم منعهم فأجابني (ومن قال لهم بان يمنعوا الطبخ خلي تاكل الناس) والله على ما اقول شهيد. بعدها قال لي ان هذه الحادثة يجب الا تمر من دون تحقيق، وكان متأثرا جدا (حادثة نقلي من كربلاء)، فتم تشكيل لجنة تحقيقية من ثلاثة اعضاء من القيادة القطرية وهم: عبد الفتاح الياسين والمرحومان عدنان الحمداني وغانم عبد الجليل اللذان تم اعدامهما ظلما وعدوانا مع المرحوم عبد الخالق السامرائي بحجة وجود مؤامرة كذبا وزورا).

وتضمنت اوراق السفير الشامي صورا توثق بعض مراحل عمله ولقاءاته بالرئيس الراحل احمد حسن البكر ووزير الداخلية الراحل سعدون غيدان وحضوره بعض التجمعات الجماهيرية، فضلا عن صورتين، اعدهما تنطويان على دلالة هما للفريق الركن وليد سيرت الذي اعدمه صدام حسين، ضمن المجموعة البعثية بقاعة الخلد في تموز 1979.

ويلفت النظر ما قاله بشأن سيرت ووصفه له: (عندما كنت سفيرا للعراق في السودان زارني الفريق الركن وليد سيرت بدعوة رسمية من الخرطوم حيث التقى عددا من كبار القادة العسكريين في السودان، وكان لقائي به لاول مرة، حيث تعرفت عليه، ووجدته انساناً محترماً جداً في تصرفه وسلوكه. وقد فرض احترامه على جميع القادة السودانيين باخلاقه وحسن تصرفه، علما انه كان عضو المكتب العسكري للحزب وقائد فيلق، وفي عام 1979 تم اعدامه مع كوكبة من الشهداء ضمن مجموعة عبد الخالق السامرائي الذين تمت تصفيتهم بسبب نزاهتهم ومحبتهم لبلدهم وشعبهم ومن دون تحقيق او محاكمة. وبذلك انتهى حكم البعث عملياً واصبح حكماً فردياً دكتاتورياً).                 

عدد المشـاهدات 7063   تاريخ الإضافـة 01/03/2021   رقم المحتوى 47874
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2021/7/26   توقيـت بغداد
تابعنا على