الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ميكانيزم‭ ‬نوبل

← بواسطة azzaman

ميكانيزم‭ ‬نوبل

كامل عبدالرحيم

 

هناك‭ ‬خيط‭ ‬رفيع‭ ‬بين‭ ‬منح‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للكندية‭ ‬آن‭ ‬كارسون،‭ ‬ومئوية‭ ‬الشعراء‭ ‬الرواد‭ ‬العراقيين‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بهم،‭ ‬وهذا‭ ‬الخيط‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يهمني‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬كله‭.‬

ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬مهتمين‭ (‬حتى‭ ‬لا‭ ‬نقول‭ ‬مبتهجين‭) ‬بحصول‭ ‬آن‭ ‬كارسون‭ ‬على‭ ‬الجائزة،‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬مُنحت‭ ‬لشاعرة،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬المعوّل‭ ‬عليه‭ ‬وما‭ ‬زال‭ (‬المنقذ‭). ‬لكن‭ ‬أي‭ ‬شعر؟‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭.‬

بصراحة،‭ ‬انتهى‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬بعيد‭ ‬الشعر‭ ‬المنبري،‭ ‬وتكسرت‭ ‬تلك‭ ‬المنصة‭ ‬التي‭ ‬يقف‭ ‬عليها‭ ‬الشعراء‭ ‬ليصرخوا‭ ‬بشعارات‭ (‬وليس‭ ‬شعراً‭) ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬له‭ ‬بالشعر،‭ ‬ولكن‭ ‬بالموائد‭ ‬التي‭ ‬ستُنصب‭ ‬قبل‭ ‬المنبر‭ ‬وبعد‭ ‬المنصة‭ ‬أو‭ ‬خلفها،‭ ‬وأحياناً‭ ‬فوقها‭.‬

كيف‭ ‬احتفل‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬بمئوية‭ ‬الرواد،‭ ‬أو‭ ‬كيف‭ ‬احتفل‭ ‬الشعراء‭ ‬بروادهم؟‭ ‬بالشتائم‭.‬

نعم،‭ ‬فلقد‭ ‬تعرض‭ ‬الشاعر‭ ‬الرائد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي‭ ‬إلى‭ ‬حفلة‭ ‬شتائم‭ ‬وتشويه‭ ‬وإساءات‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬لها‭ ‬الأدب‭ ‬مثيلاً‭.‬

بدأ‭ ‬بعضهم‭ (‬الشعراء‭) ‬بتمجيد‭ ‬السياب‭ (‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستحقه‭)‬،‭ ‬غمزاً‭ ‬بأن‭ ‬الشاعر‭ ‬هو،‭ ‬وليس‭ ‬غيره‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الإشارات‭ ‬الطائفية‭ ‬أو‭ ‬السياسية‭ ‬بعيدة،‭ ‬فمن‭ ‬يؤاخذه‭ ‬على‭ ‬شتم‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬يقابله‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬ذلك‭ ‬مجداً‭. ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬الشعراء‭ ‬شعراً‭ ‬للبياتي‭ ‬والسياب‭ ‬وبلند،‭ ‬بل‭ ‬أقاموا‭ ‬حفلاً‭ ‬باذخاً‭ ‬للشتائم‭.‬

من‭ ‬كندا،‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬أنجب‭ ‬الفائزة‭ ‬بنوبل‭ ‬آن‭ ‬كارسون،‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬أقام‭ ‬الشاعر‭ ‬هادي‭ ‬ياسين‭ ‬أكبر‭ ‬محفل‭ ‬لشتم‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي،‭ ‬وهو‭ ‬يقول‭: “‬أتقبل‭ ‬شتائمكم‭ ‬لأنكم‭ ‬قاصرون‭”. ‬لكن‭ ‬العجيب‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬يشترك‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬شعراء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حدب‭ ‬وصوب،‭ ‬ومن‭ ‬كل‭ ‬الألوان‭ ‬والاتجاهات‭ ‬والميول‭. ‬بدأ‭ ‬هادي‭ ‬ياسين‭ ‬بالمزاد‭ ‬قائلاً‭ ‬إن‭ ‬البياتي‭ (‬كلاوجي‭)‬،‭ ‬وبلشت‭ ‬المزايدة‭ ‬لإيجاد‭ ‬شتيمة‭ ‬أقسى‭ ‬من‭ (‬كلاوجي‭)‬،‭ ‬وانتهى‭ ‬المزاد‭ ‬بفوز‭ ‬الشاعر‭ ‬الحداثي‭ ‬أحمد‭ ‬عبد‭ ‬الحسين‭ ‬بوصف‭ ‬الشاعر‭ ‬الرائد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬البياتي‭ ‬بأنه‭ (‬داحوس‭)‬،‭ ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬مسجل‭ ‬في‭ ‬سفر‭ ‬الأبدية‭.‬

يقود‭ ‬اتحاد‭ ‬الأدباء‭ ‬شاعران،‭ ‬وهما‭ ‬بعمر‭ ‬أقرب‭ ‬للشباب،‭ ‬لكنهما‭ ‬حوّلا‭ ‬المئوية‭ ‬إلى‭ ‬مأتم،‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬فيه‭ ‬ميتاً‭ ‬والمعزون‭ ‬على‭ ‬منبره‭.‬

متى‭ ‬يُكسر‭ ‬المنبر؟‭ ‬بل‭ ‬متى‭ ‬يُحطّم‭ ‬عمود‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الشعر‭ ‬الحقيقي،‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬نقرؤه‭ ‬فنحس‭ ‬ونلمس،‭ ‬بل‭ ‬ونرى‭ ‬الفراهيدي‭ ‬الزاهد‭ ‬بالدنيا‭ ‬يخفي‭ ‬أوزانه‭ ‬طرباً‭ ‬بهذا‭ ‬الشعر؟

في‭ ‬ديباجة‭ ‬نوبل‭ ‬لمنحها‭ ‬الجائزة‭ ‬لآن‭ ‬كارسون‭ ‬الكثير‭ ‬والقليل،‭ ‬فأولاً‭ ‬اشتغالها‭ ‬بالربط‭ ‬بين‭ ‬الشعر‭ ‬والسرد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يهمنا،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬أو‭ ‬يكافئ‭ ‬حقاً‭ ‬الجائزة‭.‬

لكن‭ ‬دائماً‭ ‬هناك‭ ‬بوابة‭ ‬أخرى‭ ‬تتسلل‭ ‬منها‭ ‬الغايات‭ ‬الباطنية‭ ‬لنوبل،‭ ‬وتتمثل‭ ‬بالقول‭: (‬لتناصها‭ ‬مع‭ ‬الشاعرة‭ ‬الإغريقية‭ ‬سافو‭ ‬أو‭ ‬صافو‭).‬

ولو‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬صافو،‭ ‬سنجدها‭ ‬شاعرة‭ ‬يتميز‭ ‬شعرها‭ ‬بالعاطفية،‭ ‬وقد‭ ‬عاشت‭ ‬صافو‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2500‭ ‬سنة‭. ‬لكن‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ (‬مثلية‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬كرّست‭ ‬شعرها‭ ‬لحبيباتها‭ ‬أو‭ ‬حبيبتها،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬هذا،‭ ‬فإن‭ ‬المصطلحين‭ (‬Sapphism‭) ‬و‭(‬Lesbian‭) ‬الشائعين‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬واللذين‭ ‬يدلان‭ ‬ويرادفان‭ (‬السحاق‭)‬،‭ ‬مشتقان‭ ‬من‭ (‬صافو‭)‬،‭ ‬اسم‭ ‬الشاعرة‭ ‬الإغريقية،‭ ‬والثاني‭ ‬من‭ (‬Lesbos‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬الجزيرة‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬فيها‭ ‬الشاعرة‭ ‬سافو‭.‬

بالأمس،‭ ‬نقلوا‭ ‬فيما‭ ‬نقل‭ ‬عن‭ ‬آن‭ ‬كارسون‭ ‬بأن‭ ‬الأمريكية‭ ‬سوزان‭ ‬سونتاغ‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تقرأ‭ ‬شعراً‭ ‬إلا‭ ‬لكارسون،‭ ‬وسوزان‭ ‬سونتاغ‭ (‬1933–2014‭) ‬مخرجة‭ ‬وكاتبة‭ ‬وفوتوغرافية،‭ ‬لكنها‭ ‬اشتهرت‭ ‬بإشهارها‭ ‬لمثليتها،‭ ‬وتركها‭ ‬لزوجها‭ ‬ومساكنة‭ ‬عشيقتها‭ ‬وكتابة‭ ‬مذكراتها‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬ربما‭ ‬نعرف‭ ‬الميكانيزم‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬وفقه‭ ‬لجنة‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل،‭ ‬ولا‭ ‬تعليق‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬


مشاهدات 45
الكاتب كامل عبدالرحيم
أضيف 2026/10/14 - 1:57 PM
آخر تحديث 2026/10/15 - 5:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 473 الشهر 27342 الكلي 16612511
الوقت الآن
الخميس 2026/10/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير