العصر الإشتراكي
محمد زكي ابراهيم
في عام 1964 صدرت في بغداد قرارات التأميم بحق ثلاثين شركة صناعية وتجارية وعدد عن المصارف الخاصة، إيذاناً بالتحول الاشتراكي، الذي خلب لب الطبقات الثورية في تلك الأيام، وعد ذلك مقدمة للدخول إلى نادي الدول المتقدمة، وخلاصاً من ربقة الفقر والتخلف.
وقد جمعت أسماء هذه الشركات والمصانع من دليل اتحاد الصناعات العراقي وإعلانات الجرائد، ولم تكن لدى اللجنة المختصة أي معلومات عنها قبل أن تكتشف أن معظمها ورش صغيرة، وأن بعضها خال من المكائن والمعدات اللازمة للإنتاج، ووجد أن أحدها لا يمتلك سوى قدور كبيرة يجري تسخينها بمشاعل من النفط، ويقوم عدد صغير من العمال بإفراغ محتوياتها السائلة في قوالب خاصة، لإنتاج أنواع معينة من الصابون! .
وقد أسقط في يدي (جماعة التأميم) المتحمسين الذين كانوا يرومون تعيين مدير عام ومعاون له، ومهندسين وملاحظين فنيين، ومدير إدارة، ومحاسب، وموظف استعلامات، وعشرات العمال المناوبين، وحراس، ومطعم، وسيارات لنقل المنتسبين في هذه المصانع! فالتأميم بالنسبة لهم لم يكن يعني زيادة الإنتاج على طريقة الرفيق (ستالين) بقدر ما يرمز إلى إيجاد فرص عمل للعاطلين والخريجين، أما صاحب المعمل، وعماله، فيطردون لأنهم سارقو قوت الشعب.
وقد وأدت هذه التجارب أحلام الصناعيين وصغار الرأسماليين في بناء مشاريع جديدة، تسهم في مد السوق العراقية بما تحتاجه من سلع، وتوفر لأصحابها والعاملين فيها حياة رخية، كما كان يفعل فتاح باشا، وعبود باشا، والدامرجي وبقية أصحاب معامل الأقمشة والمنظفات والمطاحن، لأن مثل هذا الأمر بات محرماً ومن علامات العصر الرأسمالي البغيض! .
ولم يدر في خلد جماعة التأميم هذه، أن فكرة الاشتراكية تقوم على بناء مؤسسات حكومية جديدة، وليس الحكم على الشركات الموجودة بالإعدام، وهذا ما حصل بالفعل بعد عدد من السنين، حينما انتهت جميع هذه المشاريع إلى بوار.
لقد تذكرت هذا الموضوع، وأنا أشاهد في بعض المواقع قبل سنوات، صوراً لجواميس سوداء، تغادر بهدوء بوابة معمل الورق الضخم في شمال البصرة، بعد أن نعمت بحمام دافئ في مياه شط العرب، التي يغفو على ضفتها الغربية المعمل، وواصلت السير لممارسة حياتها التقليدية واجترار ما اختزنته من النباتات الخضراء.
وفي ذات الوقت كان وزير الصناعة يعلن من داخل الشركة أن المعمل مطروح للاستثمار، فالسوق بحاجة إلى منتجاته، التي باتت تتدفق من الخارج بغير حساب رغم هجوم الكتابة الرقمية على الساحة التعليمية والثقافية، وبالطبع فإن أحداً من المستثمرين المحليين طوال هذه السنوات التي زادت على العشر، لم يتقدم لهذه المهمة المتعسرة، فليس بوسعه احتضان مئات الأيدي العاملة والفنيين والإداريين، الذين كانوا يضطلعون بمهمة تشغيل المعمل، ويسكنون في دور هيأتها لهم إدارته قبل توقفه عن الإنتاج. ولم تشهد السوق دفتراً أو (بند ورق) واحداً صنع فيه!.
ما الحل إذن؟ هل يبقى البلد خالياً من رجال الصناعة إلى الأبد، وهل ينتظر أحداً من المغامرين لينفق ما لديه من مال على معامل منهوبة وعاطلة منذ عشرات السنين، ثم يقعد بعد أن يخسر كل شيء مهموماً مغموماً يندب حظه العاثر، ويتوجع على الصدف التي ألقت به في معمعة كهذه؟.
الواقع أن التجربة بدأت تستعيد سيرتها الأولى، فهناك اليوم مئات الورش الصغيرة التي تنتج سلعاً بسيطة ونافعة، ولا تحتاج إلا للتشجيع والحماية، لتتطور وتنمو، وتعيد عجلة الحياة من جديد. بعد أن أصبحت فكرة التأميم أثراً بعد عين.
إن نشر قيم العمل والإنـــــــتاج هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يغير من حالنا، ويضعنا في موقع أفضل بين الدول المتوسطة في الأقل، فالصناعة الوطنية حتى لو كانت بدائية هي الحل.