أبو نؤاس العصر الحديث
عبدالستار الراشدي
حين نتأمل تاريخ الأدب العربي نجد أن بعض المبدعين لا يُعرفون بأسمائهم فقط، بل بالعوالم التي أقاموها داخل نصوصهم. ومن بين هؤلاء يقف أبو نؤاس في العصر العباسي وصلاح زنكنه في عصرنا الحديث، كصوتين يفصل بينهما الزمن وتجمع بينهما جرأة البوح والاحتفاء بالحياة.
كان أبو نؤاس شاعراً لا يكترث كثيراً بنظرات الاحتقار التي كانت تلاحقه بسبب شعره وحياته. وكأن لسان حاله يردد:
أنا الغريق فما خوفي من البلل
فهو لا يخشى نقد المجتمع ما دام ماضياً في الطريق الذي اختاره لنفسه ولشعره. لهذا جاءت قصائده مفعمة بالمجون والخمرة والتمرد على المألوف، حتى بدا وكأنه يفاخر بما يثير اعتراض الآخرين. ويظهر هذا المعنى أيضاً في قوله:
أطيب اللذات ما كان جهاراً بافتضاح
فهو لا يكتفي بالفعل، بل يجد متعة في إعلانه، وكأن الذات عنده بلغت من الثقة حد النرجسية التي انعكست على شخصيته وشعره معاً.
وحين نقترب من عالم صلاح زنكنه نجد مساحة من التشابه تستحق التأمل. فقد شغلت المرأة جانباً واسعاً من تجربته الشعرية والسردية، كما شغلت الخمرة جانباً واسعاً من شعر أبي نؤاس. وفي كتابه *نصوص الحب* تبدو المرأة أشبه بفاكهة الحياة، تتكرر في النصوص بسحرها وفساتينها وألوان حضورها الإنساني. وهي ليست شخصية عابرة في أعماله، بل محور تدور حوله الكثير من الحكايات والتأملات.
لكن صلاح زنكنه لا يقف عند حدود هذا التشابه. فإذا كان أبو نؤاس قد تمرد على الذائقة الاجتماعية من خلال شعره، فإن زنكنه يضيف إلى ذلك تمرداً فكرياً واضحاً.
فهو لا يتردد في انتقاد السلطة أو مواجهة ما يراه أفكاراً غير مقنعة. ولعل أكثر ما يميزه إصراره على الدفاع عن قناعاته الأدبية والفكرية حتى النهاية، الأمر الذي يجعل منه شخصية لا تستسلم بسهولة للآراء المخالفة.
يبدو صلاح زنكنه في هذا الجانب أشبه بمراهق عجوز لا تعترف روحه بسلطة العمر. يقاتل دفاعاً عن عالمه السردي كما يدافع الأسد عن عرينه. فقصصه وأفكاره ليست نصوصاً يكتبها فحسب، بل جزء من كيانه الشخصي، لذلك يتعامل معها بشغف وحماسة لا تخطئهما العين.
وهكذا يمكن القول إن أبا نؤاس وصلاح زنكنه التقيا عند الجرأة والاحتفاء بالحياة والمرأة والبوح العلني بما يؤمنان به، لكنهما افترقا في الوسيلة والرؤية.
رفع أبو نؤاس كأسه في وجه العالم، بينما رفع صلاح زنكنه قلمه. وبين الكأس والقلم تمتد قرون طويلة، غير أن روح التمرد بقيت حية، تبحث دائماً عن حريتها في الكلمة والإبداع.