سلطة العائلتين ومستنقع الفساد
أكرم بوتاني
ما من شك أن ثقافة المجتمع لها دور فعال ومؤثر على السلطة السياسية الحاكمة ، وبما أن المجتمع الكردي كبقية مجتمعات المنطقة يتجنب المشاركة في صناعة القرار السياسي ، فقد تُرك القرار بأيدي جماعة قبلية تعتقد أن السلطة تعني الثروة والجاه . ولشدة الهوس بجمع الثروات ، بات النهب والسلب لثروات الأمة أمراً طبيعياً دون شعورٍ بالحياء أو الخجل .
ولعل أوضح ما يعكس أثر هذه الثقافة في الواقع السياسي الكُردي هو طبيعة السلطة التي تشكلت في الإقليم خلال العقود الثلاثة الماضية . حيث نجد الإقليم مقسم الى إمارتين ، ويعود ذلك التقسيم الى ما قبل سقوط نظام البعث العربي في العراق ؛ وإستبداله بنظام ديني مغلف بديمقراطية زائفة ولا أساس لها . إمارة تمتلكها عائلة البارزاني في بادينان ثم أُضيفت إليها أربيل عاصمة الإقليم بمساعدة عدو الكرد صدام حسين ، وإمارة السليمانية التي تحولت ملكيتها بعد وفاة المغفور له جلال الطالباني إلى ورثته.
ولم يكن انقسام السلطة بين الإمارتين مجرد إنقسام جغرافي أو إداري ، وإنما انعكس على طبيعة الحكم وممارسته ، حتى تحولت كل منهما مع مرور الزمن إلى بيئة ملائمة لتفشي الفساد . وقد ساهم الفساد في تحويل الإمارتين الى مستنقع تفوح منهما رائحة العفونه ، رغم محاولات بعض الوطنيين في إمارة السليمانية مدَّ جدول الى المستنقع لتحريك مياهه الراكدة ، والقضاء على رائحته العفنة؛ إلا أن محاولاتهم لم تأتي أكلها وكان نصيبها الفشل . وحين تعجز محاولات الإصلاح عن تغيير هذا الواقع ، لا يبقى المجتمع واقفاً عند حدود الفساد ، بل يصبح مهدداً بإعادة انتاج أنماط سلوكية (الخيانة) عرفها تاريخه السياسي في مراحل مختلفة .
فمنذ أكثر من ثلاثة عقود والحزبين الحاكمين في إقليم كردستان يعملان وفق منهجية واضحة ، لا علاقة لها بالصالح العام ولا بالقضية القومية ، وإنما كان التركيز ولا يزال منحصراً في إيجاد أسهل الطرق والوسائل لنهب المال العام ، وقد لا تكون هناك صعوبة في تقفي ذلك النهج إذا ما اراد المرء ذلك .
الغريب أن الحزب الديمقراطي قد تمكن وبطرق مختلفة ، وأغلب مسارته غير شرعية وغير أخلاقية من تحويل المستنقع الآسن، الى مزار يؤمّه العامة للتبرّك . بمعنى ادق؛ يسعى العامة الى تمجيد الفاسدين ومحاولة التقرب منهم لنيل بعض المكاسب المخجلة في كثير من الأحيان ، وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالسلطة وحدها ، وإنما يمتد الى المجتمع الذي يتعامل معها ، فطريقة تعامل الفرد مع السلطة تكشف جانباً من الثقافة التي تسمح باستمرارها .
ولا تزال العائلتان تواجهان أزمة تشكيل الحكومة ، رغم مرور عامين على إجراء الإنتخابات ، وتعتبر هذه الفترة بمثابة استخفاف واضح بعقلية الناخب في الإقليم . فالعائلتان تعيشان في وادي الظلم والإستبداد والنهب والسلب ، بينما المواطن يعيش في وادي تردي المستوى المعيشي ،ومشكلات السكن والبطالة ،وأزمة المحروقات ، وتردي الخدمات «والوادي عميق» . وقد لا يكون المواطن مهتماً بتشكيل الحكومة ، لأنه يدرك بأن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه ، إن لم تتجه نحو الاسوأ . لكن أزمة تشكيل الحكومة ، رغم ما تبدو عليه من خلاف سياسي ، تخفي وراءها صراعا أعمق يتعلق بمصادر القوة والثروة . فالحزب الديمقراطي يرى أن بقاءه على رأس السلطة بشقيها ؛ «رئاسة الإقليم والحكومة «هو الضمان الوحيد لبقاء واستمرارية تدفق الثروات للعائلة المالكة ، بينما الاتحاد الوطني يظهر مرونة ؛ وهو مستعد للتنازل عن تمسكه بالسلطة، شريطة أن توزع ثروات الإقليم بالتساوي بين العائلتين ، أما المواطن فأمام خيار وحيد وهو ان يردد المثل العربي القائل: «بين حانة ومانة ضاعت لحانا» .