الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تصبح الوظيفة الحكومية ضمانة للحياة

بواسطة azzaman

إصلاح الدولة العراقية ..  من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (4)

حين تصبح الوظيفة الحكومية ضمانة للحياة

سامي العسكري

 

في الحلقة السابقة من هذه السلسلة، تناولنا تضخم الجهاز الإداري للدولة، وكيف تحولت الوظيفة الحكومية تدريجياً من وسيلة لأداء وظائف الدولة إلى واحدة من أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومات لمعالجة البطالة والضغوط الاجتماعية والسياسية.

لكن التوقف عن التوسع في التوظيف الحكومي يطرح سؤالاً آخر لا يمكن تجاهله:

ماذا يفعل المواطن الذي لا يجد عملاً؟

فإذا كانت الدولة تريد أن تتوقف عن استيعاب العاطلين في مؤسساتها، فعليها في المقابل أن توفر لهم نوعاً آخر من الأمان. فالمواطن لا يتمسك بالوظيفة الحكومية من فراغ، وإنما يتمسك بها لأنها تمنحه دخلاً مستقراً، وحماية عند فقدان العمل، وتقاعداً عندما يتقدم به العمر.

ومن هنا فإن إصلاح الوظيفة العامة لا يبدأ من الوظيفة نفسها فقط، بل من إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

لماذا يريد المواطن الوظيفة الحكومية؟

ليس من الصعب فهم سبب إقبال المواطن على الوظيفة الحكومية. فالموظف يعرف منذ اليوم الأول أن لديه راتباً منتظماً، وأن دخله سيزداد مع مرور السنوات، وأن هناك نظاماً للتقاعد ينتظره عندما يبلغ السن القانونية.

تراجع نشاط

أما العامل في القطاع الخاص، فقد يفقد عمله بسبب تراجع نشاط الشركة، أو إغلاق المشروع، أو تغير ظروف السوق، وقد يجد نفسه بعد سنوات من العمل أمام سؤال صعب: ماذا سيحدث له إذا لم يعد قادراً على العمل؟

ولهذا أصبح الاختيار بين الوظيفة الحكومية والعمل في القطاع الخاص، في كثير من الأحيان، اختياراً بين الاستقرار والمخاطرة.

وحين تجعل الدولة الوظيفة الحكومية الطريق الأكثر أماناً للحصول على الدخل والتقاعد والحماية الاجتماعية، فمن الطبيعي أن يسعى المواطن إليها، حتى إذا لم تكن الوظيفة هي العمل الذي يرغب فيه أو الذي يتناسب مع تخصصه.

ولهذا لا يمكن مطالبة المواطن بالتخلي عن هذا الخيار قبل أن توفر الدولة له بديلاً عن الأمان الذي توفره الوظيفة الحكومية.

حماية العاطل عن العمل إذا أرادت الدولة أن تتوقف عن استخدام التوظيف الحكومي وسيلة لمعالجة البطالة، فعليها أن تبني نظاماً حقيقياً لحماية العاطلين عن العمل.

فقدان الوظيفة لا يعني فقدان حق الإنسان في الحياة الكريمة، لكن حماية العاطل لا تعني أن تدفع الدولة له دخلاً بلا نهاية، سواء كان يبحث عن عمل أم لا.

فالهدف من الحماية هو منحه الوقت والقدرة على الانتقال من عمل إلى آخر، لا أن تجعل البطالة بديلاً عن العمل.

ولهذا ينبغي أن يكون ما تقدمه الدولة في حدود الحد الأدنى الذي يساعد المواطن على تأمين احتياجاته الأساسية، لا دخلاً يتيح له مستوى من المعيشة يجعله يفضل البقاء عاطلاً. فالحماية الاجتماعية ينبغي أن تسند الإنسان في فترة التعطل، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الأجر الذي يحصل عليه من العمل.

كما ينبغي أن تكون هذه المساعدة مؤقتة ومشروطة بالبحث الجدي عن عمل، والتسجيل لدى الجهات المختصة، والاستفادة من برامج التدريب وإعادة التأهيل. وعلى المواطن أن يعرف منذ البداية أن ما يحصل عليه هو حماية مؤقتة إلى حين العثور على عمل، وليس دخلاً دائماً يمكن الركون إليه.

فالدولة لا ينبغي أن تقول للعاطل: سنمنحك دخلاً لأنك لا تعمل، وإنما تقول له: سنحميك حتى تجد عملاً، وسنساعدك أيضاً على أن تجده.

وهذه هي الرعاية الاجتماعية التي نحتاج إليها: حماية الإنسان في فترة الانتقال، مع إبقاء العمل هو الطريق الطبيعي والدائم للحصول على الدخل.

عندما لا يكفي العمل لتأمين الحياة

لكن المشكلة لا تتوقف عند العاطل.

فقد يعمل الإنسان ساعات طويلة، ومع ذلك لا يحصل على دخل يكفيه وأسرته لتأمين احتياجات الحياة الأساسية.

معايير واضحة

وهنا تظهر حاجة أخرى إلى إعادة النظر في مفهوم الحماية الاجتماعية.

فإذا حددت الدولة، وفق معايير واضحة، مستوى معيشياً أساسياً ينبغي أن يتمكن المواطن من الوصول إليه، فمن المنطقي أن تتدخل منظومة الحماية الاجتماعية لتكمل جزءاً من دخل من لا يكفيه ما يحصل عليه من عمل للوصول إلى ذلك المستوى.

وبذلك لا يصبح الدعم مرتبطاً بكون الإنسان عاطلاً عن العمل، وإنما بحاجته الفعلية.

فمن يعمل ويكسب دخلاً أقل من المستوى المعيشي المعتمد لا ينبغي أن يكون خارج منظومة الحماية لمجرد أنه يعمل، كما أن حصوله على الدعم لا ينبغي أن يكون سبباً لترك العمل.

وهنا يتحول دور الدولة من دفع الناس إلى الوظيفة الحكومية إلى حماية الإنسان أينما كان يعمل.

التقاعد حق للمواطن

وينطبق الأمر نفسه على التقاعد.

فالفهم السائد في العراق أن التقاعد حق للموظف الحكومي، بينما التقاعد في جوهره ليس مكافأة على العمل في مؤسسة حكومية، وإنما وسيلة لحماية الإنسان عندما يصل إلى عمر لا يعود فيه قادراً على الاعتماد على العمل كمصدر رئيسي للدخل.

ولهذا ينبغي أن يكون التقاعد حقاً لكل مواطن، سواء أمضى حياته موظفاً في الدولة، أو عاملاً في القطاع الخاص، أو صاحب مهنة حرة، أو مارس أعمالاً مختلفة خلال حياته.

ويمكن أن يقوم النظام على شطرين.

الأول يمثل حق المواطنة، وهو مبلغ أساسي يحصل عليه الجميع عند بلوغ السن القانونية، ولا يرتبط بنوع العمل الذي مارسه المواطن.

أما الشطر الثاني فيرتبط بالمساهمات التي دفعها المواطن إلى صندوق التقاعد خلال سنوات عمله.

وهنا قد يسأل البعض: كيف يتساوى تقاعد جندي مع تقاعد ضابط كبير في الجيش، أو تقاعد عامل مع تقاعد أستاذ جامعي؟

والجواب أن التساوي لا يكون في مجموع ما يحصل عليه المتقاعد. فالمساهمة في صندوق التقاعد ترتبط بنسبة من الراتب أو الدخل، وكلما ارتفع الدخل ارتفعت المساهمة، وبالتالي يرتفع الجزء الذي يحصل عليه المواطن مقابل مساهماته السابقة.

كما يمكن أن يتيح النظام مساهمات إضافية اختيارية ترفع مقدار المعاش مستقبلاً.

وبذلك لا يصبح نوع الوظيفة هو الذي يقرر قيمة التقاعد، وإنما تصبح هناك قاعدة واحدة تسري على الجميع: حق أساسي للمواطنة، وحق إضافي يتناسب مع مقدار المساهمة.

ولكي يكون هذا النظام قابلاً للاستمرار، فإنه يحتاج إلى صندوق تقاعد وطني مستدام، يقوم على قواعد واضحة للمساهمات والاستحقاقات، لا على أعباء مفتوحة تتحملها الموازنة العامة وحدها.

وهذا من شأنه أن يغلق واحدة من الثغرات التي جعلت التقاعد يبدو وكأنه امتياز مرتبط بالوظيفة الحكومية.

وماذا عن الوظيفة نفسها؟

إذا استطاعت الدولة أن توفر للمواطن حماية عند البطالة، وأن تضمن له مستوى معيشياً أساسياً عندما لا يكفي ما يحصل عليه من عمله، وأن تجعل التقاعد حقاً لا يرتبط بالوظيفة الحكومية، فإن الوظيفة العامة يمكن أن تعود إلى معناها الطبيعي.

الوظيفة الحكومية ليست ضمانة للحياة، وإنما عمل يؤديه المواطن مقابل أجر.

وهذا يعني أن بقاء الموظف في الدولة ينبغي أن يرتبط أيضاً بما يقدمه للمؤسسة. فالعلاوات والترفيعات لا ينبغي أن تكون نتيجة تلقائية لمرور السنوات وحده. سنوات الخدمة مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون المعيار الوحيد. فالموظف الذي يؤدي عمله بكفاءة ويطور نفسه ويقدم ما تحتاجه مؤسسته، ينبغي أن تكون فرص تقدمه الوظيفي أفضل من موظف يكتفي بالحضور والانصراف.

المشكلة هنا ليست في الموظف وحده، وإنما في النظام الذي لا يعطي المؤسسة الأدوات الكافية لمكافأة الأداء الجيد أو معالجة الأداء الضعيف. كما أن المؤسسة قد تجد نفسها مضطرة إلى الاحتفاظ بموظف لم تعد هناك حاجة إلى وظيفته.

 أو لم يعد قادراً على أداء العمل المطلوب منه، من دون أن تملك وسيلة حقيقية لمعالجة وضعه.

وهذا لا يخدم الموظف ولا المؤسسة.

مرونة الوظيفة مع حماية المواطن

إصلاح الجهاز الإداري لا يعني أن يكون الحل الأول هو إنهاء خدمة الموظف. ففي كثير من الحالات يمكن إعادة تدريبه أو نقله إلى مؤسسة تحتاج إلى اختصاصه، أو إعادة توزيع العاملين بما يتناسب مع حاجات الدولة الفعلية.

لكن عندما تنتفي الحاجة إلى وظيفة معينة، ينبغي أن تكون لدى الدولة القدرة على إعادة تنظيم الجهاز الإداري من دون أن يتحول ذلك إلى مأساة اجتماعية للموظف.

وهنا تظهر أهمية منظومة الحماية التي تحدثنا عنها.

فالموظف الذي يفقد عمله يمكن أن ينتقل إلى مؤسسة أخرى، أو إلى القطاع الخاص، أو يبدأ عملاً خاصاً به. وإذا لم يجد فرصة مباشرة، تكون هناك حماية مؤقتة تساعده على تجاوز فترة الانتقال، إلى جانب التدريب والمساعدة في العثور على عمل جديد.

بهذه الطريقة تصبح مرونة الجهاز الإداري ممكنة من دون أن تعني التخلي عن المواطن.

من حماية الوظيفة إلى حماية المواطن

المشكلة التي نواجهها اليوم أن الدولة تحاول أن توفر للمواطن الحماية من خلال الوظيفة، فتحولت الوظيفة إلى غاية، وتحولت مؤسسات الدولة إلى أماكن لاستيعاب البطالة، وأصبح التخلص من الوظيفة، حتى عندما تنتفي الحاجة إليها، أمراً بالغ الصعوبة.

أما الدولة التي نحتاج إليها فهي دولة تفصل بين الأمرين.

تحمي المواطن، لكنها لا تضمن له وظيفة مدى الحياة.

تساعد العاطل، لكنها لا تشجعه على البقاء عاطلاً.

تضمن له تقاعداً، لكنها لا تجعل التقاعد امتيازاً للموظف الحكومي.

وتحمي من يقل دخله عن المستوى المعيشي الأساسي، لكنها لا تلغي قيمة العمل الذي يقوم به.

وعندما تتحقق هذه المعادلة، يصبح بإمكان الدولة أن تطلب من المواطن أن يختار العمل الذي يناسب قدرته وتخصصه، لا العمل الذي يمنحه أكبر قدر من الأمان.

وهنا فقط يمكن أن تتغير علاقة المواطن بالدولة.

فالمواطن لا يحتاج إلى دولة توظفه حتى التقاعد، بقدر ما يحتاج إلى دولة تحميه عندما يعمل، وتحميه عندما يفقد عمله، وتحميه عندما يتقدم به العمر.

عندها تعود الوظيفة العامة إلى معناها الطبيعي: عملاً يؤديه المواطن لخدمة الدولة والمجتمع، لا وثيقة ضمان لحياته كلها.

ومن هنا تبدأ خطوة أخرى في إصلاح الدولة: أن تصبح الوظيفة العامة مجالاً للكفاءة والإنتاجية وخدمة المواطن، لا وسيلة لضمان الحياة.

 

كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 

 


مشاهدات 31
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/08/25 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/08/26 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 66 الشهر 32879 الكلي 16122583
الوقت الآن
الأربعاء 2026/8/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير