الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق بلا فيّار

بواسطة azzaman

العراق بلا فيّار

جبار فريح شريده

 

في الجنوب، حين يقول الناس «فياركم»، فإنهم لا يقصدون مجرد كبيرٍ في السن، ولا صاحب مالٍ أو جاه، بل يقصدون كبير القوم الذي يُرجع إليه عند الشدة، وتُحفظ عنده كرامة الناس، ويكون سنداً للضعيف وميزاناً حين تختلط الموازين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وسط هذا العراق المثقل بالأزمات والفساد والمحاصصة وتراجع الثقة:

أين هو الفيّار؟

أين كبير القوم الذي يقف أمام الظلم ولا يحسب حساباً لمصلحته؟

أين من يقول للفاسد: كفى؟

أين من يضع مصلحة الناس فوق مصلحة الجماعة والحزب والعشيرة والكرسي؟

ربما كانت مأساة العراق الكبرى أننا نبحث عن «فيار» في زمنٍ أصبح فيه الكثيرون يبحثون عن الغنيمة.

العراقي البسيط يعيش مفارقة موجعة. وطنه غني، لكنه يلاحق أبسط حقوقه. أرضه مليئة بالخيرات، لكنه يواجه البطالة وغلاء المعيشة وضعف الخدمات. يتحدث المسؤولون عن الإصلاح، بينما يظل المواطن في طوابير الانتظار، يبحث عن وظيفة، أو خدمة، أو معاملة تُنجز من دون واسطة.

وفي بلدٍ كهذا، يصبح الفساد أكثر من سرقة للمال العام؛ يصبح سرقةً للوقت والأمل والكرامة.

الفاسد لا يأخذ المال وحده من المواطن.

إنه يأخذ من الشاب ثقته بالمستقبل، ومن الموظف إيمانه بالعدالة، ومن الفقير شعوره بأن الدولة دولته، ومن الأسرة اعتقادها بأن أبناءها يمكن أن يعيشوا حياة أفضل.

والأخطر من الفساد هو أن يعتاد الناس عليه.

حين تصبح الواسطة أمراً طبيعياً، والرشوة «تسهيل معاملة»، والمحسوبية «فزعة»، والاستيلاء على المال العام «شطارة»، فإن المشكلة لم تعد في شخص فاسد فقط؛ لقد أصبحنا أمام بيئة تسمح للفساد بأن يعيش ويتكاثر.

وهنا نفتقد «الفيار».

فالفيار الحقيقي لا يقول: «هذا من جماعتي، فاتركوه».

ولا يقول: «هذا صاحب نفوذ، لا نستطيع مواجهته».

ولا يقول: «ماذا سأستفيد إذا وقفت مع المظلوم؟»

الفيار يقول: الحق حق، ولو كان على أقرب الناس إليه.

الفيار الحقيقي لا يحمي الفاسد لأنه من عشيرته، ولا يدافع عن الظالم لأنه من حزبه، ولا يصمت لأن صاحب الخطأ أقوى منه.

فالزعامة التي لا تحمي الضعيف ليست زعامة، والهيبة التي تقوم على الخوف ليست هيبة، والمال الذي يُجمع على حساب الناس لا يصنع رجلاً.

لقد أصبح العراقي، في كثير من الأحيان، يشعر بأنه وحيد في مواجهة منظومة أكبر منه.

وحيد حين يبحث عن عمل.

وحيد حين يراجع دائرة حكومية.

وحيد حين يطالب بحقه.

وحيد حين يرى المال العام يُهدر.

وحيد حين يشاهد أصحاب النفوذ يعيشون في عالم مختلف عن عالمه.

والمؤلم أن المواطن لا يريد المستحيل.

هو يريد دولة تحترم كرامته.

يريد قانوناً لا يفرق بين غني وفقير.

يريد وظيفة يحصل عليها بكفاءته، لا بعلاقاته.

يريد مدرسة جيدة لأطفاله، ومستشفى يحفظ كرامته، وشارعاً صالحاً للحياة، وخدمات لا تتحول إلى منّة من أحد.

يريد فقط أن يشعر أن هذا الوطن وطنه فعلاً.

ولهذا فإن «العراق بلا فيار» ليست عبارة عن غياب رجل واحد، وإنما هي صورة عن غياب المرجعية الأخلاقية التي تستطيع أن تقول: هذا خطأ، وهذا ظلم، وهذا مال الشعب، وهذا حق الفقير.

العراق لا يحتاج إلى المزيد من أصحاب الأصوات العالية.

يحتاج إلى أصحاب الضمائر العالية.

لا يحتاج إلى من يتصدر المشهد ليتحدث باسم الناس، بل إلى من يقف مع الناس حين يصبح الوقوف معهم مكلفاً.

لا يحتاج إلى من يرفع شعار الوطنية، بل إلى من يثبت وطنيته عندما تتعارض مصلحة الوطن مع مصلحته الشخصية.

لقد تعب العراقي من الكلام.

تعب من الوعود.

تعب من الشعارات.

تعب من الإصلاح المؤجل.

وتعب من أن يرى الفاسد يزداد قوة، بينما يُطلب من المواطن أن يتحلى بالصبر.

والصبر، مهما طال، ليس بديلاً عن العدالة.

لذلك ربما آن الأوان أن نعيد تعريف «الفيار».

ليس هو صاحب العشيرة الأكبر، ولا صاحب المال الأكثر، ولا صاحب المنصب الأعلى.

الفيار هو من يخاف على الناس أكثر مما يخاف على كرسيه.

هو من يملك القدرة على قول «لا» عندما يكون قول «نعم» أكثر ربحاً.

هو من يرى العراق قبل أن يرى نفسه.

هو من يعرف أن السلطة أمانة، وأن المال العام ليس غنيمة، وأن المواطن ليس رقماً انتخابياً، وأن الفقير ليس جسراً للوصول إلى السلطة.

فإذا غاب هذا الرجل، غاب معه شيء من توازن المجتمع.

بلدٌ يمتلك كل هذه الثروات، وكل هذا التاريخ، وكل هذه الطاقات، لكنه ما زال يبحث عن رجلٍ يقف في منتصف الطريق ويقول للجميع:

كفى... هذا العراق، وليس ملكاً لأحد.

وربما يكون أول طريق الخلاص أن يدرك العراقيون أن «الفيار» الذي ينتظرونه ليس بالضرورة شخصاً يأتي من الخارج، بل قيمة يجب أن تولد من داخل المجتمع نفسه؛ في البيت، وفي المدرسة، وفي الوظيفة، وفي السياسة، وفي كل موقع يستطيع فيه الإنسان أن يختار الحق على المصلحة.

فالعراق لن ينقذه فيار واحد.

العراق يحتاج أن يصبح فيه كل مسؤولٍ فياراً على الأمانة، وكل موظفٍ فياراً على حق الناس، وكل مواطنٍ فياراً على وطنه.

عندها فقط، ربما نستطيع أن نقول:

عاد للعراق فياره.


مشاهدات 66
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/08/22 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/08/23 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 141 الشهر 27745 الكلي 16117449
الوقت الآن
الأحد 2026/8/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير