الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مخاوف من مجاراة الجهل المقدّس لثقافة القطيع

بواسطة azzaman

مخاوف من مجاراة الجهل المقدّس لثقافة القطيع

مزهر الخفاجي

 

تبدأ الحرية.. عنـــــــــــــدما تدرك أنك لست «مضطراً» لقبول كل ما يقوله الآخرون.. ( افلاطون)

     لا نبالغ حين نقول ان كثيراً من الألتباس واللغط يُحيطُ بالكثير من المفاهيم او السرديات التي تحدثت وتتحدث عن شيوع الجهل المقدس …الذي يُميز كثيراً من ثقافاتنا الأجتماعية السائدة والتي يختلطُ فيها اللاوعي بالعاطفة ..وكثُر الحديثُ عن جموع الجماهير التي تحركها العواطف وتسكنها تطلعاتها في التغيير وتحقيقِ مطالبها ..

بعيداً عن الوعي ولهاثاً وراء ثقافة التغيير البعيدة عن الزمان والمكان الواجبُ توفرهما في التغيير المنشود ، والغريب ان كيمياء الجهل المقدس أخذت تتمدد في اللاوعي الجمعي لتساهم في تأسيس نمطاً ثقافياً بدى يُقلق مجتمعاتنا العربية الأسلامية

يقول المفكر الفرنسي المعاصر «أولي فياو» في استعراضه للجهل المستشري في المجتمعات النامية «بالجهل المقدس».

ويدعي «أولي فياو» من أن المجتمعات هي التي تقدس الجهل، ويوضح هذا المفكر من أن الفاعلين الاجتماعيين ( أفراداً، جماعات، مدنية، دينية، واجهات قبلية أو مناطقية او طائفية ) هي وليس أحد غيرها التي تجعل من الجهل مقدساً..

ويستفيض المفكر « اولي» أن من العوامل المؤسسة للجهل في المجتمعات العربية الإسلامية.. حيث ظهر أن الخطاب الديني الغالب في مجتمعاتنا يكرر عقائد دوغمائية دون أن تخضع هذه العقائد الى تحليل « تاريخي».

     ويضيف المغاربي المفكر محمد أركون: من ان العقيدة بناء اجتماعي يساهم في زرعه الفعلين الإجتماعيين ( شيخ القبيلة، رجل الدين ، قادة الرأي فيها )  لذلك العقائد ( القرآن) نصوص فسره الفاعلون، الاجتماعيون كلٌ حسب مشربه الثقافي والاجتماعي والسياسي..

    والغريب أن هذه التفسيرات المختلف بها والمختلف عليها تصبح عقائد وأن على جميع المؤمنين أن يتقيدوا بها . ويضيف المفكر العربي ( أركون) أن من عوامل انتشار أو شيوع الجهل المقدس أقترانه بنوع آخر من الجهل وقعت فيه مؤسساتنا التربوية والتعليمية حتى ألجامعية واسماها « بالجهل المؤسس» والتي كانت تُرسخ مفهوم الجهل المؤسس والذي يدعوا فيه الفاعلين الدينيين والاجتماعيين الى الأصطفاف حول هذا الجهل والذي أشاع شكلاً من أشكال الفتنة والفرقة وغياب منطق العقل الذي كان عاملاًمن عوامل ترسيخ الأيمان في مجتمعاتنا القديمة.

الجهل المؤسس

     أن اقتران الجهلين، المقدس والجهل المؤسس أدى أو ربما وقف بالضد من تيارات النهضة والتنوير الإسلامي التي شهدها القرن التاسع عشر وغيّب على الأمة أن تنهض في بلدانها العديدة.

     هذا الأقتران هو الذي جعل الكثير من المفكرين والباحثين الغربيين أن يؤشروا ظاهرة « الجهل المقدس»، والتي صارت مسلمات وقفت بالضد من عملية النهوض الحضاري، كما هو واضح في كتابات « أرنولد توينبي» و « جاك بيرك»، والكاتب الياباني « موبراكي توهارا».

    وتوهارا هذا هو صاحب كتاب ( العرب وجهة نظر يابانية) والذي عاش بين العرب وتجول في بلدانهم سنين طويلة وحين غادر بلاد العرب كتب الملاحظات الاتية.

التي تأتي تأكيداً لفرضية شيوع ظاهرة الجهل المقدس، فيقول موبراكي:

أن الدين الأسلامي في المجتمعات العربية أهم ما يتم تعليمه في مؤسساتهم التربوية والتعليمية والجامعية.. لكنه لم يمنع الفساد.. فهم متدينون جداً وفاسدون جداً... وهناك ما يبرر لهم نصيّاً هذا الفساد..  والحكومات  العربية والأسلامية لا تعامل الناس بجدية لائقة تطابق منطق الحقوق والواجبات التي ضمنتها لهم نصوصهم الدينية و دساتيرهم الوطنية.. بل ان هذه الحكومات ذكية جداً في رصفِ مبادئ الحريات والحقوق العامة والخاصة لكنها في ذات الوقت تسخر منهم، وتضحك عليهم.

   ويضيف (موبراكي) في وصف تجربته مع المجتمعات العربية .. فيقول حين نخرج إلى الشارع نشاهد التذمر وعدم الرضى في وجوه الناس.. والسخرية تملأ شوارعهم. والغريب والكلإم ما زال للكاتب ( موبراكي).. عند التمردات والتظاهرات، وحدوث الفوضى فهم يدمرون ممتلكاتهم العامة، بفرحٍ مستريب حيث يعتقدون أنهم إنما يدمرون ممتلكات الحكومة لا ممتلكاتهم..

يضيف « موربراكي» استغرب من أنتشار كلمة الديمقراطية في العالم العربي.. وعلى ألسِنَة بسطائهم ومثقفيهم... إذ أنهم لم يجهزوا بعد لفهم قيمها  وألياتها وفوائدها ..والغريب أن الجهل المقدس والجهل المؤسس.. قد أنتج فاعلين كثار تمددوا بسببه وأثرَو بسبب غفلة العالم عنهم.

    هذا الأمر يجعلنا نتذكر نص « جورج أرويل» الذي يقول فيه:

 « أنه لأمر مخيف، أن يكون للجهالة من الناس كل هذا النفوذ».              

    والغريب أن الجهل المقدس هذا تم مأسسته والترويج لأفكار واستحكام السيطرة عبر خطاب الديني والفكري والسياسي  مؤدلج على الجماهير، ( الذين تحوّلوا كما يقول ( سترابون) الى قطع أو اداة بين قادة الجهل المقدس هذا..  أو تحوّل هؤلاء، بفعل الجهل المستشري، والجهل الموسس إلتي يقوده المتحكمون بالقرار ومقدرات المجتمع ويملكون سلطة القرار. مستغلين « جهل القطيع» الوجه الأجر (التخلف) وهو المتجاور مع ثقافة شائعة في مجتمعاتنا العربية تمثلت في ثقافة القطيع .. حتى تجلت كحقيقة مرّة في كيان مجتمعاتنا الوطنية..

خيوط العنكبوت

      وهذا هو الذي أشار له المفكر ( فولتير) من أن القوانين المنشئة في ظل حكم الجهلاء والمغرر بهم. تصبح القوانين التي يشرعها هؤلاء الممسكون بالسلطة، مثل خيوط العنكبوت لايمكن الفكاك منها ..

       تمسك بالضعيف، ويفلت منها القوي، كاشفة هشاشة العدالة أمام سلطة الأقوياء وأن تبقى سلطة القانون ليست مجرد عرض، بل هو تأصل في بنية السلطة.

    أن الجهل المقدس كثيراً ما يقدم دروساً في الحلال والحرام، وفي توكيد الثواب والعقاب متناسين هؤلاء المؤسسين لهذا الدرس الأخلاقي الجاهل.. ولكي لانوغل دعونا  نتذكر ما قاله  العالم (فرويد ) عن القطيع.. حيث يقول:

( الجائع يتكلم عن الطعام.. والمفلس يتحدث عن النقود.. أما عليّة القوم والفاعلين الاجتماعيين فيتحدثون عن الاخلاق).

          هذا الامر هو الذي جعل الباحثين يؤشرون عوامل شيوع ظاهرة القطيع الشعبي  فيقولون: أن الذين يروجون للأخلاق هم عادة من يسعون لتأمين مصالحهم الخاصة، وأدوات النظام الذي يخدمهم.

وهنا يحق لنا السؤال:

تُرى لماذا يشيع أو يسود الجهل المقدس في مجتمعاتنا؟.

وما علاقته أو تفسيراته عند المروجين له؟.

وما علاقة الجهل بنظرية القطيع؟.

ويبرر بعض الباحثيين مبررات هذا التجاور بين القطيع والجهل المقدس .. فيقولون

- أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ويبحث عن الأمان والانتماء وعندما يشعر أن الجميع يتبع رأياً أو موقفاً معيناً. تحدث لديه رغبة قوية للانضمام شعوراً منه برفض العزلة والابتعاد عن مفهوم المعارضة أو الرفض.

-كما أن اتباع القطيع أو الجموع يقلل من عبء اتخاذ القرار الفردي أو يمنح شعوراً بالثقة الزائفة. وأن مقدمات اشتراك نظرية القطيع مع شيوع ثقافة الجهل المقدس أنما يشتركان في المفاهيم الأتية:

1 - أن كلا النمطين من الفهم والسلوك  يساهمان في فقدان التفكير النقدي وفقدان الاستقلالية، ويحرمان الأفراد والجماعات من اتخاذ القرارات التي تساهم في تغيير إنماط التفكير والشجاعة في اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية النافعة.

2 - وأن تكريس مفاهيم الجهل المقدس وتمدد ظاهرة / القطيع .. أن من شأن هذا التجاور في الجماعة.. أن يجعلها وفق نظرية القطيع تتخذ قرارات خاطئة تؤثر على الفرد والمجتمع والدولة.

     ويشكّل شيوع هذه القناعات قناعات (القطيع) المغيبة إلى اندفاع المجتمع في اختيار مسارات سياسية، لا تعبر عن قناعاتها وربما الانتخابات إنموذجاً فاضحاً يجسد مفهوم ثقافة القطيع، الذي يساهم في تكريسها فاعلون اجتماعيون وسياسيون ولاهوتيون ( مخدرين او منغمسين بجهل أفرزته قناعات غيبية رمادية، بعيدة كل البعد عن مفهوم أو فلسفة حرية الإختيار القائمة على مبادىء الكفاءة والنزاهة والقيادة.

3 - أن ظاهرة القطيع تسعى الى نشر وافشاء  المعلومات الخاطئة عن الظاهرة والبرنامج والأشخاص، هذه الأمر يجعل القطيع يتشبث باوهام ليس إلا. وأن شيوع ظاهر الجهل المقدس. وثقافة القطيع ليست نتاجاً عفوياً أو مصادفة تاريخية.. بل هي فعلاً تراكمياً ساهمت فيه مجموعة من العوامل منها:

4 - فشل الأفراد والجماعات الوطنية والثقافة  العربية من أن تمارس دورها في الوعي، بل حولتهم الى قطيع ينتظر متى يأكل وحين يأكل يجب ان يأكل بصمت وان لايعلوا صوته الا حين يقرر الفاعلون ذلك ... ثم يتظاهروا  ويثورو وينسوا ويناموا.

2- وان شيوع ظاهرة القيطيع سيعمل  تخلي لفعاليات الفكرية والثقافة الاجتماعية الاخرى عن أداة دورها التنويري، وتحريضها على المطالبة بالحق واداء الواجب، فصار ( شيخ القبيلة ورجل الدين وملاكي الاراضي) عوامل ساهمت في التجهيل في الحق وكرست مفهوم الاتباع .. وعزلت وأقصت بوسائل مختلفة دور النخب الحقيقة صاحبة الحق في التغيير عن اداء دورها .

      حتى تشكل لدينا في ذات الوقت وفي نفس البيئات العربية الأسلامية منذ اكثر من نصف قرن.. جمهور يصفق وجمهور لاعن .. فهو يصفق مرّة ويلعن مرّة .. لكنه ومع الاسف جمهور لا يفكر؟. وهذا النوع من المجتمعات .. يذكرنا بخلل بنيوي في ذهنية لمجتمعاتنا العربية المعاصرة التي طوقها جهلٌ مقدس وقبض على الفاعلين فيها ثقافة قطيع  .. وهنا نتذكر قول جان بول سارتر:

( الناس لا يريدون الحرية .. بل يريدون الأمان.. وهم في سعيهم وراء الأمان يخضعون أنفسهم لانظمة وقوانين تضمن لهم استقراراً زائفاً).

   في حين ان الجماهير في ذمة الفاعلين الاجتماعيين وفي ذمة الجماعات الوطنية والثقافية ويمكننا ان نقول ان تنازل الفاعلين الدينين والسياسيين من قيادات المجتمع ..المفكرين والتربويين .. حين ينزعون ضمائرهم .. بجولون هذه الجماهير الى قطيع بليد ..    يؤمن أيما إيمان ..بجهله المقدس ويدافع عنه حد التضحية بنفسه ومستقبله .. ونحن نخاف أن يُمارس ( السياسيون الجدد) عن قصد او غير قصد  فعل تجاور القطيع وترسيخ ثقافة الجهل المقدس، لأننا حينهاً نصل إلى مرحلة الصدام أو قولوا الفوضى المفتوحة الأبواب.. وهذا ماتريده القوى الكبرى المتربصة بنا.

 


مشاهدات 47
الكاتب مزهر الخفاجي
أضيف 2026/06/27 - 1:05 AM
آخر تحديث 2026/06/27 - 2:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 25585 الكلي 15901066
الوقت الآن
السبت 2026/6/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير