الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النجفي شارع طفولتنا وثقافتنا

بواسطة azzaman

النجفي شارع طفولتنا وثقافتنا

أياد العناز

 

عدت قليلًا إلى مآلات جميلة وخطوات هادئة  ومسارات لأيام مشرقة، وأنا اتصفح كتاب جديد أنظر إلى معانيه وافكار كاتبه ومقاصده، عادت بي الذاكرة إلى شارع النجفي في مدينتي الموصل  الذي كنا نرتاده في بداية صبانا لنقتني ما ننتظره من مجلات تعنى باعدادنا الفكري وتوجيهنا الاجتماعي وحثنا على السلوك القويم والأخلاق الحميدة، فكانت مجلة (سمير وميكي) التي تصدر في القاهرة ومن بعدها صدرت مجلة  مجلتي  بعددها الأول في 1 كانون الأول عام 1969 عن دار ثقافة الأطفال التابعة لوزارة الثقافة العراقية، فرحنا بها كثيرًا ومن بعدها وفي أوائل عام 1971 صدرت اول جريدة اسبوعية للأحداث باسم (المزمار). محطات ثقافية في الاعداد السليم لجيل متعلم وفق منهاج وخطط علمية راقية تأخذ به نحو آفاق مستقبلية رائدة لمجتمع حضاري وغد  مشرق، كان انتظارنا لهذه الإصدارات تمثل لنا مناسك وتراتيل حب وشوق وطقوس من اللهفة والشغف تتجلى بخشوعها في محراب قلوبنا التي تهفو للقراءة والمطالعة والاستزادة من الوعي والادراك الحسي والفني.

ابتعد شارع النجفي عن رسالته الثقافية وأهدافه الاجتماعية واحبائه من رواد العلم والمعرفة والصحافة والاعلام، من الكتاب والشعراء والفنانين، وهو الرمز الثقافي  وثاني أقدم شارع في مدينة الموصل القديمة والذي عُرف باسم شارع المكتبات وتعرض لدمار شبه كامل وحُرق مخزونه الكبير من الكتب التاريخية، ليس بيده ولكنه  الوجع الكبير والجرح الغائر الذي حل  بالموصل العنقاء لثلاث سنوات عجاف، غُيبت عن العالم ونالها من التهديم والتحطيم لذاكرتها وتاريخها الحضاري، ولكن المدن الأصيلة لا يطفئ الغياب عنها الحنين لوجودها وحياتها وتأثيرها بل يوقظه في نفوس أبنائها العزم والهمة ليصبح الحنين حياة جديدة تولد من رحم الفقد، وخطوات عمل دؤوب تناغم حكاية إنسان  كتب إرادته قبل معاني اللغة وبلاغتها وجعل الجمال واناقة الحرف وصدق الكلمة يمشي بين أبناء المدينة بكل اقتدار وثبات، ويكشف عن خبايا الروح التي كتبت في أعماقها صدق الانتماء والوفاء.  أن أثمن ما يملكه الإنسان هو إدراكه الحسي ووعيه العقلي وصفاء روحه، وهذا لا يتحقق إلا بوجود ثقافة مستدامة ووسائل وأدوات تنمي هذه الإيجابيات في حياته وترتقي به إلى مستويات من التنوع الفكري والعطاء الذهني في محراب الإعلام الرصين والكتابة الصادقة.  

نحن بحاجة إلى تنوير اجتماعي وعمل ثقافي دائم وجهد متكامل لتكون للكلمات ضياؤها المشع وللحروف نورها الذي يمنح الإنسان استمرارية  البقاء والتأثير، وأنه الإرادة التي أعمق من أن تُقال وأصدق من أن تُكتب.  الثقافة ميدان كبير فهي سيدة الحرف والكلمة الرصينة  وتمثل أحاسيس من الهيبة والحظور لتبقى ناصعة بيضاء نقية تبحر في وجدان القارئ لتوصله إلى شاطئ الأمان والاطمئنان بهدوء جميل ومشاعر تتحدث بها اللغة بدلًا من الأرواح، فبعض النصوص تعرف طريقها إلى قلوب القارئ أكثر من البشر.  تبقى لشارع النجفي خصوصيته ومكانته في القلوب النابضة بالحقيقة والكلمة الصادقة والاعلام الرصين، له مكانته في الروح ولايمكن نسيانه ويبقى في حالة عناق حميم مع الذاكرة الإنسانية، له طعمه ورائحته العبقة وتنهيدة عميقة دمعة غالية لامل تصاحبه أجنحة الفراشات ورياحين وورود   الياسمين.

 


مشاهدات 30
الكاتب أياد العناز
أضيف 2026/06/23 - 3:07 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 3:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 241 الشهر 22911 الكلي 15898392
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير