حطب السماء.. ملحمة مسرحية
تصدر عن دار المرايا قريباً
عن دار المرايا، وبإشراف الدكتور إبراهيم الكبيسي ورعايته، تصدر قريبًا ملحمة «حطب السماء»، وهي أول ملحمة مسرحية تتناول سيرة الإمام الثائر زيد الشهيد، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ذلك الرجل الذي وقف بوجه طغيان الدولة الأموية، رافعًا راية العدالة والكرامة، حتى انتهى مصلوبًا لعامين كاملين، في واحدة من أكثر صور القمع التاريخي قسوةً وإيلامًا.إن المسرح التاريخي ليس مجرد استعادة لأحداث الماضي، ولا إعادة تمثيل لأسماء وشخصيات عبر الزمن، بل هو فعل ثقافي مقاوم، يعيد بعث الذاكرة الإنسانية في مواجهة النسيان، ويمنح الشعوب فرصةً لتأمل مصائرها، وفهم صراعاتها، واكتشاف جذور الظلم والاستبداد التي تتكرر بأشكال مختلفة في كل عصر. فالمسرح، منذ نشأته الأولى، كان مساحةً لكشف الحقيقة، ومنبرًا أخلاقيًا يضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى: الحرية، العدالة، السلطة، والخيانة.وحين يتجه المسرح نحو التاريخ، فإنه لا يبحث عن الحكاية بوصفها ماضيًا جامدًا، بل بوصفها مرآةً للحاضر. فالثورات التي اندلعت ضد الطغيان عبر العصور لم تكن حوادث عابرة، بل كانت تعبيرًا عميقًا عن توق الإنسان إلى الكرامة. من ثورة الإمام الحسين في كربلاء، إلى ثورة زيد الشهيد، إلى انتفاضات الشعوب ضد الملوك والطغاة في مختلف الحضارات، ظل التاريخ يثبت أن الظلم وإن امتلك القوة، فإنه لا يستطيع أن يخمد صوت الحق إلى الأبد.وتأتي أهمية المسرح التاريخي في أنه يمنح هذه الشخصيات الثائرة حياةً جديدة، فيعيد تقديمها للأجيال بلغة الفن والجمال والتأثير. فالقارئ قد يمر على الحدث التاريخي مرورًا عابرًا، لكن المسرح يجعله يراه حيًا نابضًا: يسمع صرخات المظلومين، ويرى وجوه الجلادين، ويشعر بثقل التضحيات التي قدمها الأحرار دفاعًا عن الإنسان.
إن الإمام زيد الشهيد يمثل نموذجًا خالدًا للثائر الذي لم يقبل المساومة على الحق. خرج وهو يعلم أن طريق الثورة محفوف بالموت، لكنه آمن أن السكوت عن الظلم موتٌ أكبر. ولذلك تحولت سيرته إلى رمز أخلاقي وإنساني يتجاوز حدود الزمن والطائفة والجغرافيا، لأنه كان صوتًا للعدل في مواجهة سلطة أرادت إخضاع الناس بالقوة والخوف.وفي عالمنا المعاصر، حيث تتجدد أشكال القهر والاستبداد، يصبح المسرح التاريخي ضرورةً ثقافية وفكرية، لأنه يذكّر الشعوب بأن الحرية لم تكن يومًا هبةً من سلطة، بل ثمرة تضحيات طويلة دفع ثمنها الثائرون والمفكرون والحالمون بعالم أكثر عدالة. كما أنه يرسّخ في الوعي الجمعي أن مقاومة الظلم ليست حدثًا استثنائيًا، بل جوهرًا من جواهر الكرامة الإنسانية.ومن هنا تأتي «حطب السماء» بوصفها عملًا يتجاوز حدود النص المسرحي التقليدي، لتكون ملحمةً تستحضر وجع التاريخ وأسئلته الكبرى، وتعيد إحياء صوت زيد الشهيد بوصفه رمزًا خالدًا لكل من وقف بوجه الطغيان. إنها دعوة للتأمل في معنى الثورة، وفي الثمن الذي يدفعه الأحرار حين يختارون الحقيقة بدل الصمت.فالتاريخ لا يخلّد الجبابرة مهما امتلكوا من قوة، بل يخلّد أولئك الذين احترقوا من أجل أن يبقى الضوء حيًا في ضمير الإنسانية.