شَواهِدٌ وشُهودْ
رعد البيدر
في سويعاتِ لقاءِ فطورٍ جمعني معَ زملاءَ قدامى، لم أرَ بعضهم منذُ سنين، وبينَ ابتسامةٍ في الوجهِ وتنهدٍ من الأعماقِ، جذبتنا مجاملاتُ الحديثِ لفتحِ صفحاتِ (كانَ يا ما كانَ أيامَ زمانْ)؛ فأستحضرنا أياماً لم تكن مجردَ محطاتٍ وظيفيةٍ، بل كانت سجلاتٍ كشفتِ النوايا، ومواقفَ عرّتِ الخفايا دونَ بهتانٍ. إنَّ استذكارَ مواقفِ الخدمةِ الوظيفيةِ بعدَ سنواتٍ طويلةٍ من مغادرتِها عمليةَ تَنقيبٍ في جوهرِ الأخلاقِ، فالمكاتبُ والرتبُ والمناصبُ لم تكن سوى مسارحَ كشفت المعدنَ الحقيقيَّ لكلِّ مَنْ عايشناهُم وظيفياً. في ساعةِ كتابةِ المقالِ، أجدُني أستذكرُ صورَ الكثيرينَ مِمَّن أُحيلوا على التقاعدِ في وقتٍ مبكرٍ، وقبلَ بلوغِ السنِّ القانونيةِ بسنواتٍ طوالٍ؛ فغادروا الميدانَ بفكرٍ يتقدُ، وتأهيلٍ يُشادُ بهِ، وقدرةِ عطاءٍ غيرِ مُتَكاسِلةٍ. وبرغمِ اكتمالِ فترةِ الخدمةِ عندَ البعضِ ونقصانِها عندَ بعضٍ آخرَ، تبرزُ صورةُ مئاتِ الآلافِ مِمَّن يجمعُهم سياقٌ واحدٌ تحتَ توصيفِ تقاعدٍ غَلَّفَهُ الإجحافُ والإكراهُ.
يمنحُ المنظورُ الزمنيُّ الطويلُ شريطَ الذكرياتِ فرصةَ المرورِ ببطءٍ؛ فتبرزُ في مخيلةِ المتقاعدِ صورٌ متناقضةٌ؛ زملاءُ كانوا سنداً ونقاءً، وآخرونَ استقرَّ النقصُ في أعماقِهم، فما وجدوا وسيلةً لإثباتِ وجودِهم سوى محاولةِ النيلِ من الأكفاءِ الأنقياءِ. تؤكدُ الوقائعُ أنَّ الصراعَ لم يكن يوماً على إنجازِ مهمةٍ، أو تحقيقِ هدفٍ وظيفيٍّ سامٍ، بل كانَ صراعاً بينَ تَرفُعِ النبلاءِ ووضاعةِ نفوسٍ مأزومةٍ يستفزُّها نجاحُ الغير، حتى بعدَ أن انتهت المسيرةُ الوظيفية بقراراتٍ قسريةٍ لم تُنصِف سنواتِ البذل والتَمَيُز.
اوزانَ حقيقيةَ
تتجسدُ بشاعةُ النماذجِ المأزومةِ في محاولاتِ تشويهِ صورِ الناجحينَ، ظناً منها أنَّ طمسَ معالمِ الاقتدارِ والنزاهةِ سيسترُ عيوبَ ضغائنِهم وخبث سرائرِهم. عشنا معَ أصنافٍ بل (أنصافِ رجالٍ) اختاروا بملأِ إرادتِهم أن يكونوا عراقيلَ في طريقِ المخلصينَ، ولكنَّ تجاربَ الأيامِ كانت ميزاناً صادقاً أعطى مَنْ نكتبُ بخصوصِهم أوزانَهم الحقيقيةَ بالقيراطِ، وأثبتت أنَّ أفعالَهم لم تكن سوى شهادةِ إدانةٍ لِمعدنهم الصَدِئ. تبقى آثارُ المنبوذينَ المأزومةُ تطفو كـ «جِيَفٍ» في بحورِ أحاديثِ رفاقِ المهنةِ والتخصصِ؛ لقد خسرَ المبطلونَ الرهانَ، وغادروا الوظيفةَ، وبقيت خبائثُ أفعالِهم تلاحقُهم كظلالٍ مُشوّهةٍ لا تليقُ بتاريخِ الرجالِ.. وما هم إلا (ذكورٌ) في بطاقةِ الأحوالِ المدنيةِ.
تُعلمُنا تجاربُ السنينِ أنَّ الوظيفةَ زائلةٌ بكلِّ بريقِها، والظلمُ الوظيفيُّ يظلُّ وجعاً قائماً، لكنَّ القيمةَ الحقيقيةَ تظهرُ حينما يترجلُ الفارسُ عن صهوةِ وظيفتِهِ ويتركُ خلفَهُ كرسياً شاغراً؛ فإما ذِكرٌ طيبٌ تُرفعُ لهُ الأيادي بالدعاءُ، وإما ذكرٌ سيءٌ يُوكلُ للهِ فيهِ القضاءُ، وكلاهما عِبرةٌ لمن يقرأُ كتابَ سِنين عُمرِهِ.
اختَتِمُ بسطورٍ موجَزَة - يبقى النقاءُ المهنيُّ والسموُّ الأخلاقيُّ هما الرصيدُ الأثمنُ؛ لم يدركْ مَن حاولَ تلويثَ نقاءِ غيرِهِ أنَّ النورَ لا يُطفأُ بنفخةِ حاسدٍ وسموم حاقدٍ، وأنَّ شواهدَ الزمنِ كفيلةٌ بإنصافِ الصادقينَ، ليبقى أثرُ الطيبينَ فوّاحاً في ذاكرةِ الأجيالِ ومكالماتِ الزملاءِ، وحديثِ ذكرياتٍ ولو كان على فنجانِ قهوة.