النموذج الخليجي وهندسة الإستقرار
من إدارة التوتّر إلى صناعة التنمية .. ما الذي يحتاجه العراق ؟
أسامة أبو شعير
في مقال سابق، بدا واضحًا أن الاستقرار في الخليج لم يعد مجرد حالة سياسية، بل تحوّل إلى أصل اقتصادي تقوم عليه الاستثمارات العالمية في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا. لكن السؤال الأعمق اليوم لم يعد: لماذا يُقدَّر الاستقرار؟ بل: كيف يُصنع؟ وكيف تتحول هذه الفكرة من توصيف نظري إلى نموذج عملي قادر على إنتاج النمو عبر الزمن؟
ضمن هذا الإطار، يمكن الحديث عن “نموذج خليجي” في إدارة الاستقرار، يقوم على تحويل الجغرافيا الحساسة إلى منصة اقتصادية قابلة للاستثمار. وفي داخل هذا النموذج، تبرز تجارب متقدمة، وفي مقدمتها الإمارات، إلى جانب السعودية وقطر بدرجات متفاوتة، بوصفها حالات نجحت في تحويل الاستقرار من حالة سياسية إلى منظومة اقتصادية قابلة للإنتاج. ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع هذا النموذج بوصفه كتلة واحدة، فالتجارب داخله تتباين في الأدوات أكثر مما تتباين في الهدف. فالإمارات اعتمدت على تسريع الحكومة الرقمية وتعظيم دور التجارة والخدمات، بينما ركزت السعودية على إعادة هيكلة سوق العمل وتوسيع دور صندوقها السيادي، في حين بنت قطر نموذجها على إدارة سيولة الطاقة وتحويلها إلى استثمارات عالمية ضمن حوكمة دقيقة.
حرب مدمّرة
الإجابة تبدأ من قراءة المسار. فمنذ عام 2003 وحتى اليوم، لم تكن الفجوة بين الخليج والعراق فجوة موارد، بل فجوة نموذج. ففي الوقت الذي خرج فيه العراق من حرب مدمّرة بناتج للفرد يقل عن ألف دولار، تجاوز ناتج الفرد في الإمارات 50 ألف دولار في 2024، بينما يدور في العراق حول 6 آلاف دولار فقط. وفي حين وصلت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من 70 بالمئة في اقتصادات مثل الإمارات، لا تزال إيرادات النفط تمثل أكثر من 90بالمئة من إيرادات الدولة في العراق، وأكثر من 95 بالمئة من صادراته.
هذا الفرق يظهر بوضوح في طبيعة النمو. فالإمارات تحقق نموًا مستقرًا يقارب 4 بالمئة سنويًا مدفوعًا بقطاعات غير نفطية، بينما يبقى النمو في العراق متذبذبًا، يرتفع مع أسعار النفط وينكمش مع انخفاضها. هذه ليست فجوة أداء فقط، بل فجوة في تعريف الاستقرار نفسه، بين استقرار يُنتج الاقتصاد، وآخر يكتفي بإدارته.
وقد أظهرت الحرب الأخيرة في المنطقة أن الاستقرار في الخليج لم يعد حالة طبيعية تُفترض، بل منظومة تُدار تحت الضغط. فمع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وزيادة الإنفاق الأمني، لم ينهار النموذج، لكنه أصبح أكثر كلفة وأكثر اعتمادًا على الإدارة اليومية. وهنا يظهر الفارق، الخليج يدير الصدمة، بينما تتعرض لها اقتصادات أقل تنوعًا بشكل مباشر.
ما يميز هذا النموذج، وبشكل أوضح في التجربة الإماراتية، هو الانتقال من “وجود الاستقرار” إلى “تصميمه”.
موازنة عامة
فقد بُنيت منظومة متكاملة تشمل الحكومة الرقمية، والصناديق السيادية، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي. ونتيجة لذلك، تجاوزت التجارة غير النفطية 2.8 تريليون درهم سنويًا، وبلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 45 مليار دولار، فيما تعكس التصنيفات الائتمانية المرتفعة مثل AA وAa2 مستوى الثقة في هذه البيئة. كما أن هذه التصنيفات تترجم مباشرة إلى كلفة اقتراض منخفضة وقدرة أعلى على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.في المقابل، تكشف الأرقام في العراق طبيعة التحدي بشكل أكثر حدة. فالموازنة العامة، التي تُقدَّر بنحو 150 مليار دولار سنويًا، يذهب منها ما بين 70 إلى 85 مليار دولار إلى الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، أي نحو 60 بالمئة إلى 70 بالمئة من الإنفاق العام. وهذا يعني أن الدولة تستهلك معظم مواردها للحفاظ على توازن اجتماعي حساس، بدل استثمارها في بناء اقتصاد منتج. كما تُقدَّر الاحتياطيات النقدية بنحو 100 مليار دولار، لكنها تبقى عرضة للتآكل في حال استمرار الصدمات. ومع اعتماد التصدير على نحو 3.3 إلى 3.5 مليون برميل يوميًا عبر مسارات محدودة، فإن أي اضطراب في الممرات البحرية يتحول مباشرة إلى أزمة مالية داخلية.
ولا يقتصر هذا التباين على المؤشرات الداخلية، بل يظهر بوضوح في تقييم الأسواق المالية الدولية. فبينما تحظى اقتصادات الخليج بتصنيفات ائتمانية مرتفعة ضمن فئة الاستثمار الآمن، حيث تصل الإمارات إلى AA والسعودية إلى A وقطر إلى AA-، يقع العراق ضمن الفئة عالية المخاطر عند مستويات B- وفق وكالات التصنيف الدولية.
مع تقديرات أدنى تصل إلى Caa1. وهذه الفجوة لا تعكس فقط اختلافًا في الأداء الاقتصادي، بل في مستوى الثقة المؤسسية، وقدرة الدولة على إدارة المخاطر، واستقرار القرار المالي. فالأسواق لا تقرأ الخـــطاب، بل تسعّر المخاطر.
ممارسات ادارية
كما أن الفساد في الحالة العراقية لا يقتصر على الممارسات الإدارية، بل يمتد إلى اقتصاد غير رسمي وشبكات تهريب وتداخل بين السياسة والاقتصاد، ما يجعل جزءًا من الموارد يتسرب قبل وصوله إلى الدولة. غير أن أحد أعمق التحديات لا يكمن فقط في الفساد، بل في طبيعة السلطة نفسها. فحين لا تحتكر الدولة أدوات القوة بشكل كامل، بل تتقاسمها مع قوى موازية، فإننا لا نكون أمام خلل أمني فقط، بل أمام بنية مزدوجة للقرار. وفي مثل هذه الحالات، لا يتعامل الاقتصاد مع “دولة واحدة”، بل مع إشارات متناقضة، وهو ما يضعف قابلية التنبؤ ويقوّض الثقة.
ويزداد هذا التعقيد في ظل مشهد سياسي منقسم، حيث أفرزت انتخابات 2025 توازنات غير حاسمة، واستمر الجمود قبل انتخاب رئيس في أبريل 2026، بينما بقي تشكيل الحكومة خاضعًا للتفاوض. في مثل هذه البيئات، لا تتوقف الدولة، لكنها تعمل بأقل من طاقتها، حيث تتأخر القرارات وتُرحَّل الإصلاحات.
غير أن السؤال الأهم ليس فقط ماذا يجب فعله، بل كيف يمكن البدء دون كسر هذا التوازن الهش. وهنا يبرز مفهوم “التحالف الإصلاحي المحدود”، القائم على ربط الموارد بنتائج قابلة للقياس، وإنشاء وحدات تنفيذ محمية قانونيًا، وتفعيل رقابة مزدوجة تقلل من التسييس. لكن نجاح هذا المسار لا يعتمد على التصميم المؤسسي فقط، بل على الحفاظ على التوازن الاجتماعي. فإعادة توجيه الإنفاق لا يمكن أن تتم عبر تقليص مفاجئ، بل عبر إبطاء نموه وربطه بالإنتاجية، بالتوازي مع خلق بدائل اقتصادية.
انطلاقًا من ذلك، لا يمكن القفز إلى نموذج مكتمل، بل يجب البدء بمسار مرحلي، يبدأ بضبط نمو الإنفاق، وفتح قطاعات محددة للاستثمار، والبدء برقمنة الإيرادات والجمارك حيث يكون الأثر سريعًا.
لكن نجاح هذا المسار لا يُقاس بالنوايا، بل بمؤشر واضح، انخفاض نسبة الإنفاق التشغيلي من نحو 70 بالمئة إلى ما دون 60 بالمئة خلال ثلاث سنوات. هذا التحول يعني أن الدولة بدأت فعليًا بالانتقال من اقتصاد يستهلك موارده إلى اقتصاد يعيد توجيهها نحو الاستثمار.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بنجاح دولة وفشل أخرى، بل بطريقة إدارة الإمكانات. النموذج الخليجي يوضح أن الاستقرار يمكن أن يتحول إلى قيمة اقتصادية قابلة للإنتاج حتى في ظل الصراع. والعراق، وهو يواجه بيئة أكثر هشاشة، يحتاج إلى الانتقال من موقع التأثر بالأزمات إلى موقع إدارتها، ومن تعدد القرار إلى وحدته.
فالاستقرار ليس حالة تُنتظر، بل عملية تُبنى، خطوة بعد أخرى، وتُقاس بنتائجها.