الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إياس جعفر بين التشكيل وإخراج الرسوم المتحرّكة: الفن مساحة إنسانية للبحث عن المعنى

بواسطة azzaman

إياس جعفر بين التشكيل وإخراج الرسوم المتحرّكة: الفن مساحة إنسانية للبحث عن المعنى

بابل - كاظم بهَيّة

قال التشكيلي السوري إياس جعفر لـ(الزمان) انه احب الخطوط والالوان في بيت والده  ألاديب عبد الرزاق جعفر،  الذي يعد من رواد قصص ألاطفال والمهتمين بشؤون الطفل في سورية والعالم العربي. واوضح جعفر انه  شق طريقه في عالم التشكيل واخراج الرسوم المتحركة، بعد ان درس في كلية الفنون الجميلة و  تخرج من أوائل الطلبة فيها، مشيرا الى العوامل التي أسهمت في نشأته فناناً انها تعود إلى طفولةٍ كانت الصورة فيها نافذته الأولى على العالم، حيث كان مفتونًا بعوالم الرسوم المتحركة، يتابعها بشغف لا يقتصر على المتعة وحدها، بل يتجاوزها إلى رغبة خفية في فهم كيف تولد الشخصيات، وكيف تُبنى الحكايات وتتحرك الألوان داخلها. بعد كل مشاهدة، كان يعود إلى الورق، ويعيد رسم القصة كما علقت في ذاكرته، بألوان بسيطة وبدهشة طفل يحاول أن يحتفظ بالسحر بين يديه.

واشار الى  تلك المرحلة، كان لوالده،  الدور الأكبر في رعاية هذه البدايات، من خلال تشجيعه ودعمه وتوفيره أدوات الرسم، فكان حضوره بمثابة الأمان الأول لهذه الموهبة ، ومنذ تلك اللحظة، مؤكدا «انها  بدأت رحلتي مع الفن، رحلة تشكّلت من الذاكرة والشغف، ولا تزال مستمرة حتى اليوم».

وقال جعفر انه (لا يولد الفنان في فراغ، بل يبدأ غالبًا متأثرًا بتجارب من سبقوه، وتتبدّل هذه التأثيرات مع تطوّر الوعي الفني واختلاف المراحل العمرية.في بداياتي، كان تأثري واضحًا برسوم الكرتون القديمة، ولا سيما القادمة من المدرسة اليابانية، بما تحمله من خيال وبساطة سردية. ومع التقدّم في العمر، اتجه اهتمامي نحو فن القصص المصورة الفرنسية، بالتوازي مع متابعتي لمجلة مزمار، التي شكّلت محطة مهمة في وعيي البصري، لما ضمّته من أعمال عالية المستوى لفنانين عراقيين مبدعين تركوا أثرًا عميقًا في ذاكرتي الفنية.في مرحلة الشباب، تعمّق تعلقي بفن القصص المصورة الفرنسية، وكنت  -ولا أزال- من أشد المعجبين بالفنان جان جيرو، المعروف باسم موبيوس، بما تحمله أعماله من خيال وفانتازيا ورؤية بصرية متفرّدة. لاحقًا، تأثرت بأعمال فنان الفانتازيا الكبير فرانك فرازيتا، قبل أن يتسع اهتمامي أكثر بعالم الفن التشكيلي والفنانين الكبار، حيث وجدت في أعمال الفنان الإنكليزي فرانسيس بيكون تجربة صادمة وعميقة أثّرت في رؤيتي التعبيرية).

مدرسة انطباعية

مشيرا الى انه (وجد نفسه في البداية قريبًا من المدرسة الانطباعية، ثم انجذب  لاحقًا إلى السريالية والتعبيرية. ومع ذلك، لا يتعامل في عمله الفني من منطلق الانتماء الصارم إلى مدرسة بعينها، بل يترك للتجربة الشخصية واللحظة التعبيرية حرية تشكيل اللغة البصرية الخاصة به).

وعن المواضيع التي يحب التطرق إليها قال: تنطلق موضوعات لوحاتي من الإنسان بوصفه جوهر التجربة الفنية ومحورها الأساسي، أهتم بتجسيد حالاته التعبيرية المتصلة بعالمه الداخلي، بما يحمله من مشاعر متناقضة وأسئلة صامتة تعكس عمق النفس البشرية، كما تحضر معاناة الإنسان كموضوع مركزي في أعمالي، لا سيما في السنوات الأخيرة، حيث فرضت التحولات المتسارعة والظروف القاسية حضورها على الوعي الجمعي، وانعكست تلقائياً في اللغة البصرية التي أعمل عليها.   

واجاب على سؤال: ان المتطلع لأعماله يرى المرأة، انفراد وحزن وترقب وحركات قائلا (في أعمالي، لا تظهر المرأة بوصفها حضورًا فرديًا فحسب، بل كرمز إنساني شامل لمعاناة الإنسان وحالته الوجودية . فالمرأة، في رؤيتي، هي أساس المجتمع ومصدر العطاء والخصب، هي الأرض والوطن، وهي الشجرة التي لا تزهر إلا بالرعاية والاهتمام، ومن خلال حالات الانفراد والحزن والترقّب والحركة التي تتجلى في اللوحات، أحاول الإشارة إلى هشاشة هذا الكيان وقوته في آنٍ معًا. ما أود قوله إن العناية بهذه (الشجرة) بالمرأة، بالأرض، بالوطن  وتقديم الحب لها، هو السبيل الوحيد لتمكينها من نشر المحبة والحياة في الأجيال القادمة).

ويرى أن (فن الرسوم المتحركة هو فن بالغ الصعوبة بقدر ما هو جميل وواسع الأفق. إنه عالم يتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر، والتعلّق الحقيقي بالعمل، والاستعداد للغوص في تفاصيله الدقيقة، ولا يمكن فصل الإتقان في هذا المجال عن امتلاك إرادة قوية وشغف صادق، فالصبر والإرادة وحب الممارسة عناصر متلازمة لا تنفصل، وهي ما يمنح هذا الفن روحه ويجعل الاستمرار فيه ممكناً).   

 واما عن أثر  الاغتراب  في اعماله اوضح جعفر ( يشكّل الاغتراب النسيج الخفي الذي تتكوّن منه معظم أعمالي في المرحلة الأخيرة ، فبعد مغادرة الوطن قسرًا بسبب الحرب، لم تعد الغربة مكانًا بقدر ما أصبحت حالة داخلية، تتسلل إلى الوعي وتعيد تشكيل النظرة إلى الذات والعالم . غير أن الاغتراب الأكثر إيلامًا، في تجربتي، هو ذاك الذي يُعاش داخل المجتمع وداخل الوطن نفسه؛ حين يتحوّل المكان المألوف إلى فضاء غريب، ويغدو الانتماء سؤالًا مفتوحًا بلا إجابة، في لوحاتي، لا أتعامل مع الغربة بوصفها حدثًا شخصيًا، بل كرمز إنساني عام، يظهر في الوجوه، في الفراغات، وفي الصمت الذي يحيط بالأجساد. إنها محاولة لرسم ذلك الشعور المعلّق بين الفقد والانتظار، بين الذاكرة والواقع، حيث يصبح الفن مساحة للاعتراف، وربما وسيلة للتماسك أمام هشاشة الوجود ) .      

 وحين سالته ايهما يعتبر اكثر من غيره بالنسبة له اللون ام الفكرة وما اللون قريب الى روحيته ولماذا اجاب قائلا (بالنسبة لي، تشكّل الفكرة وموضوع اللوحة الأساس الذي يُبنى عليه العمل الفني، ويأتي اللون بوصفه عنصرًا داعمًا يعزّز الفكرة ويقترح طريقة تلقيها بصريًا .أحرص في أعمالي على ترك مساحة للتفكير والتساؤل، ولا أميل إلى المباشرة الصريحة، إذ أؤمن بأن اللوحة الحقيقية هي تلك التي تفتح حوارًا مع المتلقي بدل أن تقدّم إجابة جاهزة .أما اللون الأقرب إلى روحي فهو الأزرق بجميع درجاته، من السماوي إلى اللازوردي، لما يحمله من رمزية السماء واتساعها، وما يمنحه من إحساس بالراحة والسكينة، وهو شعور يتقاطع مع حالتي النفسية ومع الجو التأملي الذي أسعى إلى حضوره في أعمالي ).

  واختتم جعفر حديثه برسالة فنية قال فيها : (يبقى الفن بالنسبة لي مساحة إنسانية للبحث عن المعنى، ومحاولة صادقة لفهم الذات والعالم من حولنا وسط الاغتراب والمعاناة وتسارع الحياة، أؤمن بأن اللوحة قادرة على أن تكون فعل إصغاء، وذاكرة حيّة، وجسرًا صغيرًا نحو السلام الداخلي والجماعي . فما دام الإنسان حاضرًا في العمل الفني، سيبقى الأمل ممكنًا، وسيظل الحلم بعالم أكثر عدلًا وهدوءًا قابلًا لأن يُرسم من جديد).

 

 


مشاهدات 88
أضيف 2026/03/29 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 24312 الكلي 15216380
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير