الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قلعة أربيل منصّة لرسالة سياسية مشفّرة

بواسطة azzaman

قلعة أربيل منصّة لرسالة سياسية مشفّرة

البارزاني يوقّع على مرحلة جديدة بلغة الرموز

آريان ابراهيم شوكت

لم تكن زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى قلعة أربيل التاريخية لإشعال شعلة نوروز بحضور رئيس حكومة إقليم كُردستان مسرور بارزاني وعدد من المسؤولين، حدثاً احتفالياً عابراً يمكن قراءته في إطار التقاليد السنوية فقط. في السياسة وخصوصاً في الشرق الأوسط، ليست كل النيران للاحتفال… وبعض النيران تُشعل لتقول ما لا يمكن قوله علناً.

من يراقب المشهد بعين الصحافة الباردة قد يرى رئيساً كُردياً يشعل شعلة العيد فوق قلعةٍ تختزن ذاكرة أمة. لكن من يقرأ السياسة بعين التاريخ، سيرى شيئاً آخر تماماً:

سيرى رجلاً اختار التوقيت، واختار المكان، واختار الرمز، واختار أن يرسل رسالة إلى الداخل والخارج معاً، من دون أن ينطق بجملة واحدة.

فلم تكن زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى قلعة أربيل بمناسبة عيد نوروز مجرد مشاركة في طقس قومي أو حضور بروتوكولي في مناسبة ربيعية. فالقادة الكبار لا يتحركون في التوقيتات الحساسة صدفة، ولا يصعدون إلى القلاع في ذروة الاضطراب الإقليمي لالتقاط الصور فقط. ما جرى اليوم كان أكثر من احتفال، وأكثر من تقليد، وأكثر من مشهد فولكلوري. لقد كان رسالة سياسية مكتوبة بالنار، ومشفّرة بالذاكرة، ومحمّلة بإيحاءات لا يقرأها إلا من يعرف كيف يتكلم التاريخ حين يضيق الكلام

فاليوم ليس يوماً عادياً. والمنطقة ليست في ظرف عادي. والإقليم ليس في مرحلة عادية. بل نحن أمام لحظة إقليمية مشحونة، ثقيلة، مفتوحة على احتمالات كبرى، تتداخل فيها الحروب، وتتصارع فيها المشاريع، وتُعاد فيها كتابة موازين القوة من جديد. وفي مثل هذه اللحظات، لا يتحرك القادة التاريخيون بعفوية… بل بالإشارة.لماذا الآن؟ هنا يكمن جوهر السؤال.

لماذا يذهب مسعود بارزاني اليوم، وفي هذا التوقيت الحساس بالذات، إلى قلعة أربيل؟ ولماذا تُشعل شعلة نوروز فوق القلعة تحديداً، فيما المنطقة كلها تشتعل تحت القلعة؟ ولماذا يأتي هذا المشهد في ظرف أمني متوتر، وفي لحظة إقليمية مرتبكة، بينما العيون شاخصة إلى خرائط الحرب والتحولات؟ الإجابة، في تقديري، لا تبدأ من اليوم… بل من الذاكرة.

ولكي نفهم ما وراء هذه الزيارة، يجب أن نعود إلى الوراء. ليس سنوات قليلة فحسب، بل إلى ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاماً… إلى ربيعٍ آخر، وإلى نوروزٍ آخر، وإلى حربٍ أخرى كانت تعصف بالعراق والمنطقة. يومها، في ذروة المعارك التي قادتها الولايات المتحدة لإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، وبينما كانت الجبهات مفتوحة، والسماء ملبدة بالنار، والعالم كله يترقب السؤال الكبير: هل يسقط نظام صدام حسين… أم لا؟

في تلك اللحظة الملتهبة، صعد مسعود بارزاني إلى المشهد ذاته تقريباً. زار قلعة أربيل. وأشعل نار نوروز. وكأن الرجل، في ذروة الحرب، كان يقول شيئاً لا يُقال في المؤتمرات الصحفية:

إن عقارب التاريخ تحركت… وإن النظام الذي يهدد كُردستان يقترب من نهايته.ثم سقط النظام.

هنا، بالضبط، تبدأ المقارنة الخطيرة.حين يعيد الرجل الرمز… فهو لا يعيد الطقس، بل يعيد الرسالة . من يعرف مدرسة بارزاني السياسية، يعرف أن الرجل ليس ابن الارتجال. هو ابن التوقيت.ابن الرمز. ابن الإشارة التي تُقرأ على أكثر من مستوى. وحين يعيد القائد الرمز نفسه في ظرف إقليمي متشابه من حيث التوتر، فإن المسألة لا تُقرأ باعتبارها صدفة احتفالية، بل باعتبارها استدعاءً مقصوداً لذاكرة سياسية سابقة.قلعة أربيل هنا ليست حجراً. إنها منصة.وشعلة نوروز ليست ناراً.

إنها لغة. وصعود بارزاني ليس حضوراً.

إنه إعلان.الإعلان عمّا؟ ليس بالضرورة إعلان حرب.

وليس تصريحاً مباشراً بسقوط نظام بعينه. لكنها، بلا شك، إشارة إلى أن المنطقة دخلت طوراً جديداً من التحولات العميقة، وأن اللاعب الكردي الأقدم خبرةً يقرأ ما هو قادم أبعد مما يقرأه كثيرون.

هل الرسالة تتجه إلى طهران؟

هنا يدخل التحليل إلى منطقته الأكثر حساسية. هناك من يقرأ هذه الزيارة على أنها رسالة موجهة إلى العالم، وإلى خصوم كُردستان، وإلى العواصم التي اعتادت التعامل مع الإقليم بوصفه هامشاً لا مركزاً.

وهناك من يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن بارزاني أراد أن يقول بلغة الرمز: كما سقط نظام صدام ذات ربيعٍ مضى، فإن الأنظمة التي تعادي حق الشعوب، وتراهن على القمع والتمدد والهيمنة، ليست أبدية.

هل هذه إشارة مباشرة إلى إيران؟ سياسياً، لا يمكن الجزم بعبارة قطعية من دون نصٍ معلن.

لكن من حق التحليل أن يقول: نعم، المشهد يسمح بهذه القراءة. بل يكاد يدفع إليها.لأن إيران اليوم ليست مجرد دولة جارة في حسابات الإقليم. إنها طرف ثقيل في معادلة الأمن، والحدود، والاقتصاد، والتوازنات المسلحة، والتجاذبات الإقليمية. وهي أيضاً لاعبٌ حاول مراراً إرسال رسائل نارية إلى الإقليم، سواء عبر الضغط السياسي أو الأمني أو الصاروخي أو عبر أدوات النفوذ. وعندما يصعد بارزاني إلى قلعة أربيل في هذا الظرف، فإن الرسالة الأقرب هي:

كُردستان ليست خائفة.

كُردستان لا تنتظر على الهامش.

كُردستان تقرأ اللحظة.

وكُردستان تعرف أن التاريخ حين يبدأ بالدوران، فإنه لا يستأذن أحداً.

بارزاني يقول للعالم: لا تكتبوا مستقبل المنطقة من دون كُردستان ثمة بعدٌ آخر لا يقل أهمية عن البعد الرمزي تجاه الخصوم، وهو البعد المتعلق بالعواصم الكبرى. فالمشهد لم يكن موجهاً للداخل الكُردي وحده، ولا للجوار وحده، بل أيضاً إلى اللاعبين الدوليين الذين يعيدون رسم خرائط النفوذ في المنطقة. الرسالة هنا يمكن تلخيصها في سطر واحد: إذا كانت المنطقة على أبواب إعادة تشكيل، فإن كُردستان ليست متلقياً للنتائج… بل شريكاً في صناعة المعادلة. هذا هو جوهر الصورة. قلعة أربيل ليست فقط تراثاً، بل سيادة رمزية. وشعلة نوروز ليست فقط احتفالاً، بل إعلان بقاء.وحضور مسرور بارزاني إلى جانب مسعود بارزاني يعني أن الرسالة ليست شخصية، بل مؤسساتية وسياسية وعائلية وتاريخية في آن واحد: استمرارية القرار الكُردستاني، ووحدة الخط في لحظة التحدي.

القلعة كمنصة سيادية… لا منصة فولكلورية

كثيرون يخطئون حين يقرؤون الرموز الكُردية باعتبارها طقوساً ثقافية فحسب. وهذا خطأ فادح.

في التجربة الكُردية، الرمز جزء من بنية الصراع.

العلم ليس مجرد علم.

والجبال ليست مجرد جغرافيا.

ونوروز ليس مجرد عيد.

والنار ليست مجرد شعلة.

والقلعة ليست مجرد معلم أثري.

هذه كلها أدوات سيادية رمزية، تُستخدم حين يريد القائد أن يقول ما لا تريد الظروف أن يُقال مباشرة. ولهذا، فإن من يختزل مشهد اليوم في صورة احتفال، يفقد نصف الحقيقة. أما من يقرأه في سياق تاريخي واستراتيجي، فسيدرك أن المشهد أقرب إلى افتتاحية سياسية بالنار.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً… لكنه يعيد أنماطه، ويستدعي إشاراته، ويستحضر رموزه. قبل ثلاثة وعشرين عاماً، كان الشرق الأوسط على أبواب زلزال، وسقط نظامٌ ظنّ كثيرون أنه عصيّ على السقوط.

واليوم، المنطقة تقف مرة أخرى على حافة زلازل جديدة، وبعض الأنظمة تبدو صلبة في ظاهرها، لكنها في العمق مثقلة بالتصدعات. من هنا، فإن القراءة الأكثر عمقاً لزيارة اليوم ليست أن بارزاني “أعلن” سقوط أحد، بل أنه ذكّر الجميع بأن ما يبدو ثابتاً في الشرق الأوسط قد يكون أول ما ينهار حين تتحرك الموجة الكبرى. وهذا هو لبّ الرسالة. والخلاصة: بارزاني لم يشعل نار العيد… بل أشعل ذاكرة المرحلة . في تقديري، لم يكن مسعود بارزاني اليوم يحيي طقساً قومياً فقط. لقد كان يستحضر مشهداً من الذاكرة السياسية الُكردية، ويضعه عمداً فوق مسرح اللحظة الإقليمية الحالية، ليقول لنا جميعاً: إن كُردستان تعرف كيف تقرأ التحولات قبل أن تقع. وإن القادة الكبار يرسلون الرسائل في الزمن الذي يسبق الانفجار، لا بعده. وإن الشعوب التي قاومت الطغيان لا تخطئ حين تشمّ رائحة التغيير. وإن النار التي تُشعل فوق قلعة أربيل، ليست نار احتفال فقط… بل نار إنذار، ونار صمود، ونار انتظار لما بعد العاصفة. لهذا، فإن زيارة اليوم لم تكن مجرد زيارة. ولم تكن مجرد صورة. ولم تكن مجرد شعلة. كانت بياناً سياسياً بلا ورق. وكانت خطاباً بلا ميكروفون. وكانت رسالةً إلى من يفهمون لغة التاريخ : حين يصعد بارزاني إلى قلعة أربيل في زمن العواصف… فاعلموا أن المنطقة دخلت منعطفاً جديداً .


مشاهدات 53
أضيف 2026/03/28 - 12:51 AM
آخر تحديث 2026/03/28 - 2:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 103 الشهر 22587 الكلي 15214655
الوقت الآن
السبت 2026/3/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير