الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دروس التجربة الإماراتية..  التكيّف مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

بواسطة azzaman

دروس التجربة الإماراتية..  التكيّف مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

 

باريس - سعد المسعودي

كيف يقيم الخبراء العسكريون والمتخصصون في الشؤون الجيوسياسية والاستراتيجية والفاعلون الاقتصاديون تعامل دولة الإمارات العربية المتحدة مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية وتبعاتها على بلدان الجوار وبالتحديد على دول الخليج العربية ؟ كيف يواجه الإماراتيون الضربات التي تستهدفهم من قبل إيران بعد مرور أكثر من أسبوعين على انطلاق هذه الحرب؟ 

سنسعى إلى الرد على هذه الأسئلة استنادا إلى ما يقوله الخبراء والمحللون والفاعلون في الأوساط الاقتصادية والمالية لوسائل الإعلام الفرنسية المكتوبة والمسموعة والمرئية.

يجمع المحللون السياسيون والعسكريون الذين يعلقون على امتداد ساعات الليل والنهار على هذه الحرب على أن القيادة السياسة والعسكرية في إيران كانت على يقين من أنها غير قادرة على مواجهة الغارات الجوية الأمريكية الإسرائيلية التي ظلت منذ بدايتها حتى الآن السلاح الوحيد الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في حربهما على إيران.

كلفة الحرب

وبالرغم من كلفة الحرب الثقيلة على الأمريكيين والإسرائيليين، فإن هؤلاء كانوا يدركون قبل شنها أنها أفضل السبل لتجنب حصول ضحايا بعدد كبير في صفوف الطيارين الأمريكيين والإسرائيليين لأنه لا وزن للقوات الجوية الإيرانية التي اضطلعت بدور مهم في الحرب العراقية الإيرانية الأولى من عام 1980 إلى عام 1988.

لكنها أصبحت منذ تسعينات القرن الماضي تتلاشى وتتفتت بسبب الحظر الغربي المفروض على مبيعات الأسلحة على إيران. وكانت كل الدول المجاورة لإيران أو القوى الكبرى على علم بأن لدى إيران القدرة على الثبات لحين أمام أي حرب تُشن ضدها بواسطة ثلاثة أسلحة هي الصورايخ الباليستية والمسيرات التي توصلت إلى تصنيعها وتطويرها بفضل الصين وكوريا الشمالية وروسيا أساسا بالإضافة إلى الوكلاء الإقليميين أي أساسا حزب الله في لبنان والجماعات الشيعية شبه العسكرية في العراق وجماعة الحوثي في اليمن

مجازات الأحسان

بدا واضحا أن وقع اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي منذ الغارات الجوية الأولى على طهران في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي تسبب في صدمة نفسية كبيرة بالنسبة إلى الشعب الإيراني ومؤسسات الدولة الإيرانية السياسية، والعسكرية، والأمنية، والدينية. وكان في الوقت ذاته فرصة ذهبية بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فقد حاولا توظيفها إعلاميا للظهور أمام العالم كما لو كانا واثقين سلفا بأن الحرب على إيران « نزهة « كما ورد لاحقا على لسان الرئيس الأمريكي. بيد أنهما اكتشفا تدريجيا بعد مرور أسبوع على بداية الحرب أن « النزهة « تحولت إلى معضلة واختبار عسير لأسباب كثيرة منها كلفة الحرب التي قدرها الأمريكيون بمليار دولار على الأقل كل يوم وصورُ الدمار التي ألحقتها الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي أطلقتها إيران ووصل بعضها إلى أهدافه داخل إسرائيل. ولم تنج منها أحيانا الملاجئ التي يفاخر الإسرائيليون بأنهم تعودوا منذ عشرات السنين على الإقامة فيها خلال فترات التصعيد أو الحروب مع الدول العربية أو مع حزب الله منذ تسعينات القرن الماضي

وما يشد انتباه الخبراء العسكريين في فرنسا بشكل خاص وفي الغرب عموما وكذا الشأن بالنسبة   إلى المحللين السياسيين والمختصين في التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم وتتحكم في خيوطها ثلاث قوى كبرى هي الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، أن بلدان الخليج العربية وبخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة هي التي أصبحت بمرور الأيام وجهة الصواريخ والمسيرات الإسرائيلية.

 وما لفت أنظارهم أكثر عنصران اثنان هما:

أولا: أن هذا المسعى الإيراني يُراد منه قبل شيء العملُ على نسف الصورة الجديدة التي يحملها العالم عن هذه الدول بفضل استثمارها في الاستقرار وفي رهان ترى القيادات السياسية الخليجية أن كسبه ضروري لضمان مستقبل الأجيال المقبلة ومناعة الدول الخليجية العربية.

 إنه خيار تنويع مصادر الثروة عبر قطاعات حيوية منها بشكل قطاع العقارات الفاخرة والسياحة الطبيعية والثقافية والخدمات المصرفية والمالية وأسواق كثيرة أخرى أصبح الدخول إليها وخلق الثروة فيها أمرين متاحين بفضل الرقمنة وتكنولوجيا الثورة الاتصالية الجديدة والذكاء الاصطناعي.     

ثانيا: أن حال الدول الخليجية العربية وعلى رأسها دولة الإمارات العربية كحال سنمار.

 فهي تقريبا الطرف الوحيد الذي    ناشد الرئيس دونالد ترامب الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كي لا يشن حربا جديدة على إيران بعد أن اتضح من خلال حرب الأيام الإثني عشر السابقة في يونيو/ حزيران   الماضي بين إيران من جهة وإسرائيل مدعومة إلى حدود قصوى بالولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى أن الضربات الجوية المكثفة تجاوزت حدود المنشئات العسكرية والأمنية وتلك التي تخص البرنامج النووي الإيراني.

 بل تجاوزتها بكثير لتطال المدنيين والذين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بأجهزة النظام الإيراني. وبرغم تصريحات ترامب الإعلامية التي قال فيها إن الضربات الأمريكية على المنشئات النووية الإيرانية أصابت كل أهدافها، فإنه اتضح لاحقا أنها لم تكن حاسمة في القضاء على هذه المنشئات.

 ورغم أن دول الخليج العربية بذلت كل ما في وسعها لتقوم بدور محامي إيران لدى الرئيس الأمريكي واضطلعت بدور مهم   للمساعدة على إنجاح المفاوضات الإيرانية الأمريكية، فإن الضربات الإيرانية ضد دول المنطقة لم تقتصر على الأهداف الأمريكية، بل غدت تتعمد المنشئات المدنية ومواطني هذه الدول.

 لذلك تكررت مقولة لدى الخبراء العسكريين والمحللين السياسيين ومتابعي حيثيات الحرب الحالية مفادها أن إيران ارتكبت خطا استراتيجيا عبر اختيار هذا التكتيك لمحاولة تقويض الصورة التي يحملها العالم عن دول الخليج العربية والتي أدركت أن خيار الاستثمار في الاستقرار وفي الحداثة يفرض عليها مزيدا من الصبر والحذر تجاه الاعتداءات الإيرانية. وهم يرون أن الطريقة التي تكيفت من خلالها دولة الإمارات العربية خير دليل على المنهجية العقلانية التي توختها للتكيف مع الحرب

ما أهم العوامل التي ساعدت دولةَ الإمارات العربية والإماراتيين على التأقلم المرن والذكي مع مستجدات الحرب فهي ثلاثة، حسب المحللين العسكريين والسياسيين والفاعلين الاقتصاديين الذين تمت دعوتهم من قبل وسائل الإعلام الفرنسية لإنارة القراء والمشاهدين والمستمعين

أولا: قيادة سياسية متمرسة بحسن التدبير 

لقد أدركت هذه القيادة أن الاستثمار في الاستقرار وفي تنويع مصادر الدخل لتحرير الدورة الاقتصادية من النفط والغاز وأن الاستثمار في الموارد البشرية أمران  كفيلان بوضع البلاد على سكة الازدهار وضمان مناعة الدولة ومؤسساتها في ظل التقلبات الجيوسياسية الجديدة المتسارعة والمقبلة.

 ولخص تحليل نشره موقع « الدبلوماسي» الذي تُغذى مواده بشكل يومي مسعى يوليه المسئولون الإماراتيون أولية قصوى يختزلونه في العبارة التالية: « همنا احتواء الحرب لا المساهمة في توسيع رقعتها»1.

 ولا بد هنا من الإشارة إلى تصريحات أدلى بها رجل الأعمال الفرنسي المغربي ريشار أتياس في إطار برنامج تلفزيوني حول يوميات الحرب تقدمه يوميا قناة LCI   التلفزيونية الفرنسية الخاصة خلال الفترة المسائية.

 فقد تطرق أتياس- مع الضيوف الآخرين المدعوين معه لتنشيط النقاش- إلى الطريقة التي تتعامل من خلالها دولة الإمارات العربية المتحدة مع مستجدات الحرب. وقال إن رئيس الدولة الإماراتية   الشيخ محمد بن زايد آل نهيان اضطلع بدور حاسم في تحديث القوات الإماراتية وتجهيزها وإكسابها صورة مميزة في المنطقة وفي العالم باعتباره طيارا سابقا في صفوف القوات الجوية الإماراتية. ولكن رجل الأعمال الفرنسي المغربي أضاف يقول متحدثا عن خصال الرئيس الإماراتي كقائد سياسي إنه مقتنع تماما بأن الحروب مهما تكن أسبابها ومسبباتها ليست مفتاحا من مفاتيح الاستقرار.2    

والملاحظ أن ريشار أتياس متخصص في تنظيم المؤتمرات والتظاهرات الكبرى في منطقة الخليج وفي مناطق أخرى بهدف جلب الاستثمارات إلى الدول العربية الخليجية التي يعرفها جيدا ويُقَدر كفاءاتها البشرية.

ثانيا: ضبط النفس والحرص على طمأنة الناس والوافدين لمواجهة التكتيك الإيراني المتمثل في زرع الخوف والإساءة إلى ركائز الدورة الاقتصادية 

ثالثا: الاعتماد في الدفاع عن البلد بواسطة جيش محترف ذي كفاءات ومهارات عالية 

في هذا السياق، نشرت صحيفة لوموند « استطلاعا» ذكرت فيه أن المسيرات التي أطلقتها إيران باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأسبوع الأول الذي تلا بداية الحرب كانت ضعف تلك التي أطلقت على إسرائيل خلال الفترة ذاتها 3. ولكن الصحيفة أضافت فقالت إن غالبية الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران ضد الإمارات تم التصدي لها بنجاعة بفضل المهارات التي اكتسبتها القوات الإماراتية التي أصبحت من أهم المهارات في المنطقة

تتضح إذن مما سبق قدرةُ دولة الإمارات العربية المتحدة على التأقلم بشكل مرن ورشيد مع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران ومع الضربات الإيرانية التي تطالها. هذا ما يؤكد عليه الخبراء العسكريون والسياسيون والذين لديهم باع في سوق المال والأعمال من الذين يعلقون على هذه الحرب الإسرائيلية الأمريكية -عبر وسائل الإعلام الفرنسية. وهم يتساءلون اليوم عن الطريقة التي يمكن أن يواجه من خلالها الإماراتيون مستجدات الحرب إذا طالت وعن طبيعة العلاقة المستقبلة مع إيران بعد نهاية الحرب أيا تكن مدتها. ومن الأسئلة التي يطرحونها في هذا السياق ثلاثة وهي التالية

-كيف يمكن الثبات أمام المسيرات الإيرانية إذا طالت الحرب واستمرت الضربات؟

-إلى أي حد يمكن للإمارات العربية المتحدة الاستمرار في الدفاع عن صورتها في العالم أمام السردية الإيرانية؟

-ما الذي يمكن أن تفعله الإمارات للمساهمة في امتصاص الشحن   العقائدي والمذهبي على خلفية المخاوف الحالية من فرضية أن تعمد عدة أطراف في المنطقة وخارجها لاستغلال الأزمة الحالية المرتبطة بالحرب على إيران للاستثمار في منطق الفتنة بين الشيعة والسنة؟


مشاهدات 63
أضيف 2026/03/16 - 11:02 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:21 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 14005 الكلي 15006074
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير