ثقافة بيانات الإدانة: بلاغة العجز المقنّع
محمد علي الحيدري
في كل أزمة، وفي أعقاب كل فاجعة، تخرج علينا طبقة من الساسة بخطاب محفوظ لا يتبدل: “ندين”، “نستنكر”، “نعرب عن القلق البالغ”. عبارات متشابهة تُسكب في قوالب جاهزة، تُنشر على عجل، ثم تُطوى كما لو أنها أدّت الغرض. هذه ليست سياسة، بل طقس لغوي لإدارة العجز، وثقافة كاملة تقوم على استبدال الفعل بالبيان، والموقف بالتغريدة.ثقافة “بيانات الإدانة” لا تهدف إلى تغيير الواقع بقدر ما تسعى إلى تبرئة الذات. إنها آلية دفاع سياسي: تقول كل شيء كي لا تفعل شيئاً. تُفرغ الحدث من ثقله الأخلاقي بتحويله إلى مناسبة خطابية، وتمنح مُصدِرها شعوراً زائفاً بالمشاركة من دون كلفة القرار. في هذا السياق، يصبح الاستنكار بديلاً عن المحاسبة، واللغة ساتراً لغياب الإرادة.الأخطر أن هذه الثقافة تُدرَّس وتُسوَّق. مروّجوها يقدّمونها بوصفها “دبلوماسية”، بينما هي في حقيقتها دبلوماسية الكسل. فهي لا تُراكم ضغطاً، ولا تبني تحالفاً، ولا تُحدِث أثراً. إنها تكتفي بإدارة الصورة العامة، وتُقايض الحقيقة بطمأنة الرأي العام بأن “الموقف قد قيل”. وهنا تكمن الخديعة: القول لا يساوي الفعل، وتكرار القول لا يصنع موقفاً.ثمّة فجوة أخلاقية تتّسع كلما تكرّس هذا السلوك. حين تُدان الجريمة لفظاً وتُترك أسبابها بلا معالجة، يتحول الاستنكار إلى شراكة غير مباشرة في استمرارها. وحين يُستبدل القرار ببلاغة، يصبح الصمت الفعلي أعلى صوتاً من أي بيان. السياسة، في جوهرها، اختيار وترتيب أولويات وتحمل تبعات. أما البيانات، حين تُفصل عن أدوات التنفيذ، فليست سوى أوراق ناعمة في وجه وقائع خشنة.إن تسفيه هذه الثقافة ليس ازدراءً للكلمة، بل دفاعاً عنها. للكلمة وزن حين تُربط بخطة، وبجدول، وبمساءلة. أما حين تُطلق بلا التزام، فهي تُسيء إلى نفسها وإلى السياسة معاً. المطلوب ليس مزيداً من الإدانة، بل وضوحاً في الأهداف، وأدوات ضغط، ومعايير قياس، واستعداداً لتحمّل الكلفة. دون ذلك، ستبقى “بيانات الإدانة” نشيداً رسمياً للفشل، يُعزَف عند كل منعطف، ويُنسى عند أول اختبار