الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة أدبية في رحلة الشرق الأوسط

بواسطة azzaman

قراءة أدبية في رحلة الشرق الأوسط

محمد علي محيي الدين

 

صدر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع كتاب «رحلة الشرق الأوسط» للكاتب والضابط الإنكليزي ريتشارد ﮔوولد–أدامز، بترجمة الباحث والمترجم صلاح مهدي السعيد، في طبعة أواخر عام 2025، جاءت في نحو أربعمئة صفحة من القطع المتوسط. وهو كتاب لا يكتفي بأن يكون سجلًا لرحلة عابرة، بل يتحول إلى شهادة حيّة على زمن، وعلى أمكنة، وعلى شعوب كانت تتشكل ملامحها بين وطأة الاستعمار وبدايات الوعي بالهوية والاستقلال.

وقبل الولوج في عالم هذا الكتاب، لا بد من التذكير بأن أدب الرحلات ليس مجرد وصف للطرق والمسافات، ولا تسجيل للأماكن والمشاهد، بل هو مرآة تعكس نظرة الإنسان إلى الآخر، ومحاولة لفهم العالم من خلال الاحتكاك المباشر بالشعوب والثقافات. فالرحلة في جوهرها فعل اكتشاف مزدوج: اكتشاف للآخر، واكتشاف للذات في آن واحد. ومن هنا كانت كتب الرحلات عبر التاريخ من أثمن المصادر التي حفظت لنا ملامح المجتمعات، وعاداتها، وتحولاتها الاجتماعية والثقافية.

تنوعت الرحلات بتنوع أهداف أصحابها؛ فمنها ما كان علميًا يبحث في النبات والطب والطبيعة، ومنها ما كان اجتماعيًا أنثروبولوجيًا يتقصى عادات الشعوب ونظم عيشها، ومنها ما كان ترفيهيًا أو استكشافيًا محضًا. غير أن القيمة المشتركة بينها جميعًا تكمن في كونها وثائق إنسانية تسجل تفاصيل الحياة اليومية، وتمنح الباحثين مفاتيح لفهم التاريخ من زاوية حيّة نابضة، لا من خلال الوثائق الرسمية وحدها.

أما صاحب هذه الرحلة، ريتشارد ﮔوولد–أدامز (1920–2016)، فهو شخصية متعددة الأبعاد؛ روائي ومؤرخ وضابط خدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، ثم واصل مسيرته الأدبية بعد الحرب، فكتب روايات اشتهرت عالميًا مثل تل ووترشيب داون، وشارديك، وكلاب الطاعون، وغيرها. غير أن كتابه «رحلة الشرق الأوسط» يكشف جانبًا آخر من شخصيته، جانب الرحالة الذي يراقب ويسجل ويقارن، وينفذ بعين ناقدة أحيانًا، ومندهشة في أحيان أخرى، إلى عمق المكان والإنسان.

في عام 1943 قام أدامز برحلته الواسعة في الشرق الأوسط، متنقلًا بين ليبيا ومصر وفلسطين والأردن والعراق، ثم إلى سوريا ولبنان، قبل أن يعود إلى بلاده. وقد كان العراق، بحكم عمله فيه ضابطًا إنكليزيًا، المحور الأهم في هذه الرحلة، والأرض التي احتلت الحيز الأكبر من ملاحظاته وانطباعاته.

يبدأ الكتاب بسرده طريقه الشاق إلى العراق، من ليبيا إلى مصر، حيث يصف وعورة الطرق وقسوة التنقل في زمن الحرب، ويشير إلى ما شاهده من مشاهد عابرة وأمكنة توقّف عندها انتظارًا لوسيلة توصله إلى وجهته المنشودة. ثم ينتقل إلى وصف رحلته من مصر إلى فلسطين، وما واجهه من صعوبات في غزة بسبب الأوضاع العسكرية، مارًّا بعسقلان ويافا وتل أبيب، مقدمًا صورة دقيقة عن التباينات الاجتماعية والاقتصادية بين السكان العرب واليهود. ويقف عند مظاهر التوتر والعداء تجاه الأجانب، ويقارن بين واقع فلسطين آنذاك وما كان يجري في إيرلندا من مقاومة للاحتلال البريطاني، في إشارة ذكية إلى وحدة المعاناة الإنسانية أمام الهيمنة الأجنبية.

يرى أدامز أن اليهود كانوا يتمتعون بمستوى معيشي أفضل، في حين كان عرب فلسطين يرزحون تحت وطأة الفقر والعوز، ويقارن بين تل أبيب التي وصفها بالقذرة، ويافا التي رأى فيها مدينة زراعية غنية بالبساتين والمزارع. ومن خلال هذه المقارنات تتجلى رؤيته النقدية للمشهد الفلسطيني، وللبذور الأولى للصراع الذي ما زال يلقي بظلاله الثقيلة حتى اليوم.

ثم يواصل طريقه عبر الأردن، مخترقًا الصحراء الواسعة الممتدة نحو العراق، واصفًا قسوة الطبيعة وخطر قطاع الطرق، حتى يصل إلى بلاد الرافدين. وهناك يبدأ الفصل الأهم من الرحلة: العراق بمدنه وتاريخه وتناقضاته.

يصف بغداد بوصفها مدينة تجمع بين عبق الماضي وبوادر الحداثة، حيث تتجاور الأسواق القديمة مع المباني الجديدة، وحيث تتجاور البساطة الشعبية مع آثار الاحتلال البريطاني وتدخلاته. ورغم أن مقامه فيها كان قصيرًا، إلا أن ملاحظاته جاءت مكثفة ودالة على عين يقظة تلتقط التفاصيل بسرعة.

ثم ينتقل إلى كركوك، مقر عمله، ويمر في طريقه بمدن وقرى وصفها بأنها تعاني التخلف وقلة الخدمات، لكنه لا يغفل الإشارة إلى طيبة أهلها وبساطة عيشهم. ويتحدث عن الشركات النفطية العاملة هناك، وعن طبيعة المنطقة، وعن المعسكرات والتدريبات العسكرية التي شارك فيها.

ومن كركوك تمتد رحلاته إلى الخالص وسلمان باك وبابل، حيث يقف طويلًا عند أطلال الحضارة البابلية، مبدياً إعجابًا واضحًا بتاريخ العراق العريق. ويشير بحزن إلى ما لحق بآثار بابل من تخريب وهدم، سواء في العهد العثماني حين استُعمل طابوقها لبناء السدود والمدن، أو على أيدي الأهالي الذين استغلوا أنقاضها في تشييد بيوتهم، في صورة مؤلمة لاختلاط الحاجة اليومية بالإرث الحضاري العظيم.

ثم يأخذنا إلى كردستان، حيث الطبيعة الخلابة التي رأى فيها جنانًا مهدورة، لو أُحسن استثمارها لكانت من أجمل مناطق السياحة في العالم. لكنه، في المقابل، يرسم صورة قاتمة عن فقر السكان وتخلف الخدمات، وعن قسوة العيش في تلك المناطق الجبلية. ويسجل عادات الناس وطبائعهم ومستوى معيشتهم، قبل أن يشق طريقه إلى الحدود الإيرانية عبر السليمانية، ويواجه هناك مشاق جديدة ومصاعب إضافية.

ومن العراق يعود إلى سوريا ولبنان، مختتمًا رحلة طويلة امتدت عبر جغرافيا متوترة وتاريخ مثقل بالصراعات والتحولات.

إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في كونه مذكرات ضابط بريطاني، بل في كونه شهادة زمنية نادرة ترصد الشرق الأوسط في واحدة من أكثر مراحله حساسية. فهو يرسم صورة عن العراق وفلسطين وسائر المنطقة في الأربعينيات، من منظور أجنبي قريب من الحدث، ومتفاعل مع المكان والناس، لا مجرد مراقب بعيد.

 

ولهذا فإن ترجمة هذا العمل إلى العربية تُعدّ جهدًا ثقافيًا مشكورًا، لأنها تضع بين أيدي القارئ العربي وثيقة مهمة، تضيء جانبًا من تاريخنا الحديث، وتكشف كيف كان يُنظر إلينا، وكيف كانت تُرى مدننا وشعوبنا في عين الآخر. وهو كتاب يصلح أن يكون مادة للباحث والمؤرخ، كما يصلح أن يكون نصًا ممتعًا للقارئ العام، بما يحمله من سرد مشوق، وملاحظات ذكية، ووصف حي للأمكنة والناس.

وبذلك يتحول «رحلة الشرق الأوسط» من مجرد كتاب رحلات، إلى نصّ إنساني واسع الدلالة، يختزن في صفحاته تاريخًا، وجغرافيا، ونبضًا بشريًا لا يشيخ.

 

 


مشاهدات 63
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/03/14 - 1:26 PM
آخر تحديث 2026/03/15 - 2:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 82 الشهر 12314 الكلي 15004383
الوقت الآن
الأحد 2026/3/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير