الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في إنهيار التوازن القديم وصراع بناء الشرق الأوسط الجديد

بواسطة azzaman

هل يتشكل الهلال الأمريكي– الإسرائيلي؟

قراءة في إنهيار التوازن القديم وصراع بناء الشرق الأوسط الجديد

محمد عبد الجبار الشبوط

 

خلال العقدين الماضيين اعتاد كثير من المحللين وصف الشرق الأوسط بأنه يعيش تحت تأثير ما سُمّي «الهلال الشيعي»، أي شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران عبر العراق وسوريا ولبنان بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات دراماتيكية في هذا المشهد. فالحروب الطويلة والأزمات الاقتصادية والضغوط الدولية والتغيرات السياسية داخل دول المنطقة بدأت تضعف هذا التوازن الذي بدا في وقت ما راسخاً.

وفي المقابل أخذت الولايات المتحدة وإسرائيل تعززان حضورهما في إدارة التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، سواء عبر العمليات العسكرية أو عبر إعادة ترتيب شبكة التحالفات الإقليمية. ومن هنا بدأ يظهر في بعض التحليلات السياسية تعبير جديد هو «الهلال الأميركي–الإسرائيلي» بوصفه وصفاً لمحاولة إعادة تشكيل المجال الاستراتيجي للمنطقة.

لكن هل نحن فعلاً أمام قيام هلال جيوسياسي جديد يحل محل الهلال السابق؟ أم أن الشرق الأوسط يعيش فقط مرحلة انتقالية بين نظامين إقليميين لم تتضح معالمهما بعد؟

هذا السؤال ليس مجرد جدل نظري بين الباحثين. فهو في الواقع سؤال يتعلق بمصير التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط كله. لأن المنطقة التي عاشت طوال قرن كامل داخل دوامة الصراعات والمحاور قد تجد نفسها اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تدخل في مرحلة هيمنة جديدة، أو أن تنزلق إلى فوضى جيوسياسية طويلة، أو أن تنجح أخيراً في البحث عن صيغة مختلفة لنظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً.

مستقبل مشرق

ومن هنا تبرز أهمية فهم ما يجري الآن قبل القفز إلى استشراف المستقبل.

لا يمكن الحديث عن مستقبل الشرق الأوسط قبل فهم ما يجري فيه الآن. فكل حديث عن نظام إقليمي جديد أو عن إمكان انتقال المنطقة من منطق الصراعات إلى منطق التوازن والتعاون يبقى كلاماً نظرياً إذا لم يبدأ من تشخيص دقيق للواقع الراهن. والواقع يشير إلى أن الشرق الأوسط يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل جيوسياسي عميقة قد تكون الأهم منذ نهاية الحرب الباردة.

فهل نشهد قيام ما يمكن تسميته «الهلال الأميركي–الإسرائيلي» في الشرق الأوسط بعد التراجع النسبي لما سمي في السنوات الماضية «الهلال الشيعي» المرتبط بنفوذ إيران الإقليمي؟

هذا السؤال يحتاج إلى تفكيك تاريخي واستراتيجي هادئ بعيداً عن اللغة الدعائية أو الانفعالية.

أولاً: صعود الهلال الإيراني بعد 2003

ظهر مفهوم «الهلال الشيعي» في الأدبيات السياسية عام 2004 عندما استخدمه ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين في مقابلة مع صحيفة Washington Post لوصف امتداد النفوذ الإيراني من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت.

وقد رأى عدد من الباحثين أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 فتح المجال لتحول استراتيجي كبير في ميزان القوى الإقليمي. ففي كتابه الشهير The Shia Revival يرى الباحث الأميركي فالي نصر أن سقوط نظام صدام حسين سمح بصعود قوى سياسية شيعية مرتبطة تاريخياً بإيران، وهو ما أدى إلى تشكل فضاء جيوسياسي جديد يمتد من إيران إلى شرق المتوسط.

وخلال العقدين التاليين عززت إيران هذا النفوذ عبر شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية في العراق وسوريا ولبنان، وهو ما دفع بعض الباحثين مثل  (Ray Takeyh) إلى وصف إيران بأنها أصبحت «القوة الأكثر تأثيراً في المشرق العربي» في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي.

لكن هذا التوازن لم يكن مستقراً بطبيعته، بل كان هشاً وقابلاً للاهتزاز عند أول تغير كبير في البيئة الإقليمية.

ثانياً: بداية تآكل التوازن الإيراني

خلال العقد الأخير بدأت عدة عوامل تؤدي إلى إضعاف هذا الهلال الجيوسياسي.

أول هذه العوامل هو الاستنزاف الطويل في الحروب الإقليمية، خصوصاً في سوريا، حيث أدت الحرب الممتدة منذ عام 2011 إلى إنهاك الدولة السورية والمجتمع السوري، كما أدت إلى فتح الساحة السورية لتدخلات متعددة من روسيا وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.

العامل الثاني هو الأزمة الاقتصادية العميقة داخل إيران نتيجة العقوبات الدولية الطويلة، وهو ما تناوله بالتفصيل الباحث الأميركي راي تاكيه في كتابه Guardians of the Revolution.

أما العامل الثالث فهو التغيرات الاجتماعية والسياسية داخل الدول العربية نفسها، خصوصاً في العراق ولبنان. ففي العراق عبّرت المظاهرات الاحتجاجية في تشرين عن رفض متزايد للهيمنة الخارجية أياً كان مصدرها، وهو ما اعتبره الباحث العراقي الراحل فالح عبد الجبار مؤشراً على تحول المجتمع العراقي من ساحة صراع طائفي إلى ساحة صراع سياسي حول الدولة والشرعية.

ثالثاً: صعود الدور الأميركي–الإسرائيلي

في الوقت نفسه، شهدت المنطقة خلال العقد الأخير تصاعداً واضحاً في التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إدارة التوازنات الإقليمية.فإسرائيل أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر حضوراً في المعادلات الأمنية للشرق الأوسط، سواء عبر عملياتها العسكرية في سوريا أو عبر استراتيجيتها المستمرة لمواجهة البرنامج النووي الإيراني.

وقد وصف الباحث الإسرائيلي يوسي ميلمان في كتابه Spies Against Armageddon هذه الاستراتيجية بأنها تقوم على مبدأ «الحرب بين الحروب»، أي سلسلة عمليات عسكرية وأمنية مستمرة تهدف إلى منع الخصوم من بناء قوة استراتيجية طويلة الأمد.

كما أن اتفاقات التطبيع التي عُرفت باسم اتفاقات أبراهام عام 2020 مثلت تحولاً مهماً في بنية العلاقات الإقليمية. ويرى الباحث الأميركي ستيفن كوك في كتابه The End of Ambition أن هذه الاتفاقات تعكس بداية إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط.

رابعاً: هل نحن أمام «هلال أميركي–إسرائيلي»؟

مع ذلك، فإن الحديث عن قيام هلال أميركي–إسرائيلي مكتمل قد يكون تبسيطاً مفرطاً للواقع.

فالشرق الأوسط لا يتحرك وفق محاور صلبة كما كان الحال في زمن الحرب الباردة. بل إن المنطقة تشهد اليوم تعددية في القوى والمصالح تجعل من الصعب تصور قيام نظام إقليمي أحادي الهيمنة.

قوى اقليمية

فهناك قوى إقليمية مهمة مثل تركيا والسعودية تسعى إلى سياسات مستقلة نسبياً، كما أن روسيا والصين أصبحتا حاضرتين بدرجات مختلفة في معادلات المنطقة.

كذلك فإن إيران، رغم الضغوط الكبيرة التي تواجهها، ما زالت دولة إقليمية كبيرة تمتلك عناصر قوة مهمة من حيث الجغرافيا والسكان والقدرات العسكرية.أما العراق، الذي يراه بعض المراقبين مجرد ساحة ثانوية، فإنه في الواقع يمثل أحد أهم مفاتيح التوازن في المنطقة بسبب موقعه الجغرافي بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا.

خامساً: الشرق الأوسط بين الهيمنة والفوضى لهذا السبب، فإن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس ببساطة انتقالاً من «هلال شيعي» إلى «هلال أميركي–إسرائيلي»، بل هو مرحلة انتقالية بين نظامين إقليميين لم تتضح معالمه بعد.قد يكون ما نشهده بداية بناء نظام إقليمي جديد تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها.

وقد يكون مجرد مرحلة تفكك في النظام القديم من دون قيام بديل مستقر.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

فالتاريخ يعلمنا أن انهيار التوازنات الإقليمية لا يؤدي دائماً إلى قيام نظام جديد، بل قد يقود إلى فترات طويلة من الفوضى الجيوسياسية، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.

سادساً: السؤال الحضاري للشرق الأوسط

غير أن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه في نهاية هذا التحليل ليس سؤال من ينتصر على من في الشرق الأوسط، بل سؤال طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكل في هذه المنطقة.

فالتاريخ يعلمنا أن التوازنات التي تقوم على الهيمنة العسكرية وحدها لا تدوم طويلاً. فقد شهد العالم في القرن العشرين عدة محاولات لفرض نظم إقليمية بالقوة، لكنها انتهت جميعاً إلى دورات جديدة من الصراع وعدم الاستقرار. ولذلك فإن الشرق الأوسط لن يخرج من أزماته المتكررة إذا انتقل ببساطة من محور مهيمن إلى محور مهيمن آخر.

إن المشكلة الأساسية في المنطقة ليست فقط صراع القوى، بل غياب فكرة النظام الإقليمي المتوازن الذي يسمح بتعايش المصالح المختلفة داخل إطار من الاستقرار والتعاون.

فالشرق الأوسط يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون أحد أهم مراكز الحضارة في العالم: الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والموارد الطبيعية الضخمة، والكتلة السكانية الكبيرة، والتاريخ الحضاري العميق. ومع ذلك ما زال يعيش منذ أكثر من قرن داخل دائرة من الصراعات الجيوسياسية التي تعطل إمكاناته التنموية والحضارية.ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل مفكري المنطقة وصناع القرار فيها ليس فقط كيف نمنع قيام هلال جيوسياسي جديد أو كيف نواجه نفوذ قوة كبرى، بل كيف يمكن بناء نظام إقليمي مختلف يقوم على توازن المصالح والتنمية المشتركة والاستقرار الحضاري.

فمن دون مثل هذا التحول سيبقى الشرق الأوسط يدور في الحلقة نفسها التي عرفها طوال القرن الماضي: صراع محاور يتغير شكله وأسماء أطرافه، لكن جوهره يبقى واحداً. أما إذا نجحت شعوب المنطقة ونخبها السياسية في الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التوازن والتعاون، فقد يكون الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية للخروج أخيراً من زمن الهلالات المتصارعة إلى زمن النظام الإقليمي الحضاري.

أهم المصادر المفيدة

Vali Nasr — The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future

Ray Takeyh — Guardians of the Revolution

Steven A. Cook — The End of Ambition

Yossi Melman — Spies Against Armageddon


مشاهدات 129
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/03/08 - 3:15 PM
آخر تحديث 2026/03/09 - 12:44 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 439 الشهر 7677 الكلي 14999746
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير