الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطائر الأسود والذين قصّوا جناحي المدينة

بواسطة azzaman

الطائر الأسود والذين قصّوا جناحي المدينة

ثامر محمود مراد

 

في هذه الدولة، لا تُكسَر الأجنحة صدفة. كان الطائر الأسود يقف على أسلاك الكهرباء في شارعٍ يعرفه الجميع، ينقر جناحيه بعصبية، لا لأنه مريض، بل لأن أحدهم أقنعه طويلًا أن الخلل فيه. هكذا تُدار لعبة النفوذ هنا: تُنتَج العطالة، ثم يُلام الضحية عليها.

اجتماعيًا، جرى تدريب الناس على الهزيمة البطيئة. لم يُمنَعوا من الكلام، بل جُعل الكلام عديم الجدوى. لم يُحظَر السؤال، بل عوقِب صاحبه بالعزلة والسخرية والتخوين. كوفئت الطاعة بوظيفة، وبطاقة تموينية، أو صمتٍ آمن، بينما حُوّل الاعتراض إلى تهمة أخلاقية. هكذا تعلّم الشارع أن ينقر جناحيه بنفسه، وأن يعتذر عن فقرٍ لم يصنعه، وعن بطالة خُلِقت له.

سياسيًا، النفوذ هنا لا يحكم بالقوة وحدها، بل باحتكار المعنى. السلطة قررت ما هو وطني، وما هو خيانة، من يستحق المنبر ومن عليه الوقوف في الظل. لا حاجة لسجون واسعة حين يكفي إعلام مطواع، وخطاب يساوي بين السؤال والفوضى. الطائر الأسود ليس معارضًا ولا مواليًا؛ هو مواطن أُخرج من الحسابات، ثم طُلب منه أن يصفّق لنتائجها. داخل المؤسسة، تتعرّى اللعبة تمامًا. الكفاءة تُقصى، والولاء يُكافأ، والروتين يُستخدم كسلاح. يُقال لك: “هذه هي الإجراءات”، بينما تُستخدم الإجراءات لدفنك حيًا. تُختزل الحقوق بتوقيع، وتُقاس القيمة بقربك لا بعملك. هنا، لا تُكسَر الأجنحة بضربة، بل بتجاهلٍ منهجي حتى تفقد الرغبة في الطيران. وجوديًا، الجريمة الأكبر ليست الفقر ولا القمع، بل سرقة السؤال. حين يسأل جيل كامل: من نحن؟ يأتيه الجواب جاهزًا من الدولة والمؤسسة والشارع: أنتم تابعون، أنتم مؤقتون، أنتم مطالبون بالتحمّل لا بالتغيير. عندها يتحول القمع إلى داخل الرأس، ويصبح الطائر سجّان جناحيه، ينقرهما كل يوم ليبرّر بقاءه على السلك. لكن الحقيقة التي لا يريدون قولها واضحة: هذه اللعبة لا تستمر بقوتهم وحدها، بل بصمتنا. النفوذ يعيش على قبولٍ مُنهك، وعلى خوفٍ مُتوارث. وحين يتوقف الطائر عن نقر جناحيه — لا بطوليًا ولا فجأة — يبدأ الشرخ. يفهم أن المشكلة لم تكن فيه، بل في منظومة جعلت الطيران جريمة، والبقاء على السلك فضيلة. خفقة واحدة لا تُسقط دولة فاسدة، لكنها تفضحها. سؤال واحد صريح ينسف خطابًا كاملًا. وعي فردي واحد يكشف أن “الاستقرار” كان ذريعة، وأن “الوقت غير المناسب” كان دائمًا الآن. الطيران هنا ليس شاعرية، بل استعادة حقٍّ مسروق. لهذا، لا يعود الطائر الأسود رمزًا للحزن، بل شاهد اتهام. يقول بوضوح: من قصّ الأجنحة هو المسؤول. ومن صمّم اللعبة هو المذنب. وما دام الوعي مؤجَّلًا، سيبقى النفوذ متوغلا. أما حين يُستعاد الوعي، فإن الطيران — ولو فوق شارعٍ واحد — يصبح فعلًا اتهاميًا بامتياز.

 

 

 

 


مشاهدات 28
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/03/04 - 3:18 PM
آخر تحديث 2026/03/05 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 4088 الكلي 14958157
الوقت الآن
الخميس 2026/3/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير