سايكس بيكو جديدة
ابو ماهر المحمداوي
نحن لا نعيش فوضى، بل نظام فوضوي محكم؛ تدار فيه الصدمات ببرود، وتمنح الشرعية لمن يملك القوة لا لمن يملك الحق.
لم تعد الأمم المتحدة سوى أرشيف خطب، ومجلس الأمن غرفة انتظارٍ للفيتو، ولاهاي محكمة أخلاقية بلا أسنان. كلهم يعرفون ما يجري، لكنهم اعتادوا العجز حتى صار جزء من البروتوكول.
أما ترامب – أو من يشبهه – فليس استثناء ، بل تجلي فج لمرحلة كاملة. مرحلة يقول فيها الأقوياء ما كان يُقال همساُ ويفعلون ما كان يُفعل عبر الوكلاء. الفرق الوحيد أن القناع سقط، وأن الوقاحة صارت سياسة مُعلنة. لم يعتقل مادورو وحده، بل اعتقل الفكرة نفسها، فكرة السيادة، فكرة القانون الدولي، فكرة أن العالم يدار بقواعد لا بأمزجة. طالبان تُكافأ لأنها أمر واقع، والجولاني يُغسل تاريخه لأنه خيار أقل سوء، والضحية دائمًا تُطالب بالصبر وضبط النفس. هكذا يُعاد ترتيب الشر ، لا يلغى، بل يعاد تسويقه. لا يُدان، بل يُعاد تعريفه.
يبدو إننا أحجار دومينو لكن المؤلم أننا نقف في الصف الخطأ. السقوط لم يعد نتيجة الحركة، بل شرطا فيها. كل حجر ينتظر دوره، لا لأنه ضعيف، بل لأن اللعبة صُممت هكذا.
روسيا والصين، ليستا خلاص ، بل قوتين تفاوضيتين داخل المشهد نفسه. تعارضان حين يناسبهما، وتصمتان حين يحين دفع الثمن. لا مشروع إنساني هنا، فقط إدارة مصالح طويلة النفس.
المشروع العالمي الجديد ليس إعلان رسمي بل ممارسة يومية،
عالم بلا أخلاق جامعة، بلا عدالة شاملة، بلا ذاكرة طويلة.
عالم تُدار أزماته لا لتحل، بل لتبقى قابلة للاستثمار.
يبدو هناك سايكس–بيكو جديدة لا بخريطة وقلم، بل بالفوضى الذكية، تقسيم النفوذ لا الأرض، تمزيق المجتمعات لا الحدود، تفكيك المعنى قبل تفكيك الجغرافيا. سايكس–بيكو هذه المرة لا تحتاج اتفاق سري لأنها تجري على الهواء مباشرة. وتنقلها القنوات الفضائية نقل حي. اعتقال رئيس وتغيير نظام حسب طلب ترامب. ترامب الذي كان مرشح لجائزة نوبل للسلام !!!!!!!