الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
9 نيسان  2003.. الكذبة الكبرى

بواسطة azzaman

9 نيسان  2003.. الكذبة الكبرى

قاسم حسين صالح

 

كان فرح العراقيين معجونا بدهشة أن ما حصل في (9 نيسان 2003)  يصعب تصديقه.فللمرة الأولى في تاريخهم يفرح العراقيون بالقضاء على حاكم دمّر وطنهم وأذلّهم وقتل أبناءهم في حروب حمقاء وفي سجون مظلمة،وشرّدهم بين من احتمى بالجبال والأهوار ومن غادر الوطن..وان حلمهم سيتحقق بأن يعيشوا بكرامة وسعادة في وطن هو الأغنى بالمنطقة واحد أغنى عشرة بلدان في العالم.  ما كانوا يتصورون بالمطلق ان ذاك التاسع من نيسان سيكون بوابة الفواجع والأحزان،وما كانوا يتوقعون انهم سيقتل بعضهم بعضا ويخسرون عشرات الآلاف في سنتين(2006-2008)..ويتحول 13 مليون منهم الى فقراء،وتغدو عاصمتهم الحبيبة بغداد هي العاصمة الأسوأ في العالم، وتذهب احلامهم ادراج الرياح وتتضاءل آمالهم حتى من ابسط اصلاح.  ما كان يخطر على بالهم بأن اميركا لن تعمل لصالح الشعوب،وأنها ما جاءت لتخليص العراقيين وشعوب العالم من هلاك (سلاح دمار) ان بقي الطاغية في الحكم..بل انها جاءت لأن العراق بلد غني وان موقعه الأستراتيجي يمكنها من السيطرة على الشرق الأوسط.. وصدقوا الكذبة الكبرى!.

 دروس من الواقعة  ما حصل في (9 نيسان 2003) قدّم دروسا شكّلت وثيقة تؤرخ لواحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها العراق في تاريخه الذي ينفرد بقساوة حروبه وحماقة أبشعها.وكان اول درس سيكولوجي- اجتماعي (نيساني)قدمه العراق للمجتمعات المعاصرة..نصوغه بما يشبه النظرية:

(اذا انهارت الدولة وتعطّل القانون وصارت الحياة فوضى..شاع الخوف

بين الناس وتفرقوا الى مجاميع تتحكم بسلوكهم الحاجة الى البقاء.

مصدر قوة

فيلجئون الى مصدر قوة أو جماعة تحميهم ، ويحصل بينهما ما

يشبه العقد ، يقوم على مبدأ الحماية المتبادلة).  وكان هذا هو التحوّل السيكولوجي الأول الذي حصل للعراقيين بعيد مزاج الفرح الذي شاع

بين معظم العراقيين بالخلاص من الدكتاتورية. فلقد كان شيئا أشبه بالخيال ان يستيقظ العراقيون صباح ذاك التاسع من نيسان وقد وجدوا انفسهم انهم تخلصوا من كابوس رهيب جثم على صدورهم ربع قرن.ومن شهد ذاك اليوم يتذكر ذلك الرجل الذي مسك صورة صدام وهو يضربها (بنعاله) ويخاطب العالم بانفعال :(ياناس ياعالم هذا مجرم دمّر العراق وقتل العراقيين)..وأوصل رسالة عفوية – للعرب بشكل خاص – أنهم لم يفهموا بشاعة ما جرى للعراقيين على يديه.  ويعلمنا الدرس أن خيمة الدولة اذا سقطت (حتى اذا كان نظام الحكم فيها دكتاتوريا )،ولا توجد خيمة اخرى تجمع أهل الوطن، فان الناس يصابون بالذعر مدفوعين ب « الحاجة الى البقاء « فيتفرّقون  بين من يلجأ الى عشيرة أو مرجعية دينية، أو تجمع مديني أو سكني، أو تشكيلات سياسية أو كتل بهذه الصفة او تلك.وكانت تلك هي الخدمة التي وظّفها الطائفيون بذكاء خبيث ليمنحهم (نيسان) فرصة الأستفراد بالسلطة والثروة. وما حصل كان يحكمه قانون اجتماعي،هو:(اذا انهارت الدوله انهار معها الولاء للوطن وتفرق الناس على ولاءات لطوائف وكيانات تحميها). وتفرّق العراقيون بين من لجأ الى عشيرته ،او مدينته ، اوقوميته،او جماعة دينه.

ولاء للطائفة

وكان اقوى هذه الولاءات وأخطرها هو الولاء للطائفة.فالشيعة كانوا مدفوعين بسيكولوجيا المظلومية،وادعاء بالأكثرية،وحصتهم بمجلس الحكم هي الأكبر،دفعتهم الى ان تكون الدولة لهم وبأمرهم،فيما اراد السنّة استعادة الدولة التي كانت بيدهم من عام 1922،مدفوعين بسكولوجيا الضحية..وكانت الحصيلة عشرات الآف الضحايا الأبرياء..بينهم من قتل لسبب بمنتهى السخافة..لأن اسمه (حيدر او عمر او رزكار!).  الموجع أكثر أن الذين غمرهم الفرح بالخلاص من صدام،صاروا الآن يترحمون عليه،ليس فقط لأن ما حلّ بهم من مصائب وفواجع واحتراب هي اقسى وأوجع مما اصابهم زمن الطاغية،بل ولكارثة أوجع هي ان الذين استلموا السلطة اعتبروا العراق غنيمة لهم فتقاسموه فيما بينهم،وأنهم أساءوا في حكمهم الى اثمن قيمتين عند العراقيين:القيم الأخلاقية بأن حولوا الفساد من فعل كان يعدّ خزيا الى شطارة وانتهاز فرص،فعطّلوا الضمير عن التأنيب وعن اعتبار نهب المال العام حراما ،والى الدين بأن اوصلوا الناس الى ان يهتفوا في تظاهراتهم (باسم الدين باكونه الحراميه).   ان ما حصل اوصلنا ،نحن المعنيين بعلم النفس والأجتماع السياسي ، الى حقيقة سيكولوجية هي ..ان الكذبة السياسية الكبرى اذا صدقها الشعب فانها تلد كذبات صغرى تكبرمع الزمن ،اكثرها غرابة ان تلك الكذبة الكبرى جاءت بفاسدين اضفوا على انفسهم القدسية بكذبة مكنتهم من الاستفراد بالسلطة والثروة لعشرين سنة! وسيبقون عشرين اخرى ما دام من ابتكر الكذبة الكبرى.. جيرانهم في الخضراء!

  مؤسس ورئيـس الجمعية النفسية العراقية


مشاهدات 323
الكاتب قاسم حسين صالح
أضيف 2024/04/07 - 4:11 PM
آخر تحديث 2024/06/23 - 8:46 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 416 الشهر 8667 الكلي 9359204
الوقت الآن
الأحد 2024/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير