الطاغية و الأديان.. دراسة تأريخية
أضيف بواسـطة admin

الطاغية و الأديان.. دراسة تأريخية

سيف ابراهيم

ان الاديان السماوية على وجه التحديد ، انما جاءت لاثارة وعي الناس و هديهم الى جادة الصواب ، و بث روح السمو و الرفعة فيهم ، بعدما اخذ انحراف الافكار و المثل يسري بينهم ، اما من خلال استغلال السلطة او الدين التقليدي الموروث او كليهما ، لذلك كان الله يرسل الرسل لتقويم هذا الانحراف و الاعوجاج ، الذي يصيب الامة من اجل محاولة تهذيب و تشذيب الفطرة التي التي فطر الله الناس عليها و جعلهم مهيأين لئن يكونوا كلآ منهم هو بالفعل خليفته في الارض . فالانسان مجموع نقيضين اجتمعا و التحما ، فيه حفنة من التراب تجره الى الارض ، تجره الى الشهوات و الميول و الاهواء ، و اخرى هي روح الله تعالى التي نفخها فيه ، ترفعه الى اعلى تتسامى به ، فالانسان واقع في تيار هذا التناقض بسبب محتواه النفسي . فهناك حقيقة في علم نفس الانسان تقول ، انه يملك الاستعداد الكامل ليكون رسولا نبيا او فرعونا مسرفا و لذلك كان لزاما وجود الدين .

و المقصود هنا الدين الحقيقي التوحيدي على حد تعبير شريعتي و هو الدين الثوري ، و هذا لعله شأن كل الديانات حتى الوضعية منها ، دين ينبذ كل اشكال التطرف و ينأى بنفسه عن شتى صور الاستغلال و الاستعباد للرعية . و هذا ما يميزه عن الدين التبريري او دين الشرك ، و الذي يسعى الى تبرير الوضع القائم على الرغم من سوءه . و يعد هذا النوع من الدين و هو اخطر الادوات التي تؤدي الى ظهور الطاغية في المجتمعات ، و هذا ما اكده اغلب المفكرين في ان الاستبداد السياسي انما هو نتاج الاستبداد الديني ، و وجهة النظر هذه تطابق وجهة نظر النائيني ايضا . ان هذا التصور لكيفية تولد الاستبداد و الطاغية فيه الكثير من الصحة ، بحكم عظيم الشواهد التي تدلل على ذلك ، و لكن يتوجب هنا و من باب الدقة بالتشخيص ، يتوجب ان نفصل بين ثلاث مراحل زمنية و هي مرحلة ما قبل و اثناء و ما بعد دعوة اي مرسل من عند السماء ، فالمرحلة الزمنية الاولى نرى ان هناك من الرجالات من يستغل عدم وجود دعوة الهية مجسدة بنبي او رسول او امام لكي تستمر المحافظة على الرسالة ، و عادة ما تكون هذه نابعة من مدعي الدين و التدين فنراهم يقومون بتحريف الدين الذي وجدوه سلفا قبل وجودهم ، و بما يناسب اهواءهم و مصالحهم ، و بما يبقي السلطة في ايديهم او بأيدي اخرين يماثلونهم. فتعيش الرعية في شقاء و تعاسة و جهل و خوف ، و لذلك نرى ان لا مناص من وجود المرسل من عند الله ، لتصحيح هذا المسار الذي انحرف ، و هذا يجعلنا ندخل المرحلة الثانية من المرحلة الزمنية ، و فيها و بكل تأكيد بعد تجرع حامل رسالة الله الكثير من المتاعب و المصاعب و المعوقات ، يسود العدل و المساواة و كل المبادئ و القيم الانسانية على يده و بتوفيق و تسديد من عند الله ، و ذلك بعد جهود حثيثة و معاناة مريرة . و في هذه المرحلة نكون امام انموذج حقيقي و فعلي للدين و للقائمين عليه ، فلا نرى اي استغلال و الا لتمت المحاسبة و ارجاع الحقوق لاهلها و لنا ان نطلق على هذه الفترة بالفترة المثالية على المستوى البشري النسبي . و يمضي هذا الحال حتى انقضاء اجل صاحب هذه الدعوة الالهية ، و بذلك و بمرور زمن بسيط سندخل المرحلة الثالثة ، و هي مرحلة ما بعد المرسل فنرى فيها الانحدار و الانقلاب و العودة الى حال الاولى ، حيث يصبح الدين دين شرك ، فلا يحكم بشرع الله و لا يلتزم بتعاليمه و يصبح بذلك اداة للقهر و الظلم و الاستبداد .

و هذا لعله يبرر دعوات الله المستمرة و ارساله الرسل الدائم ، و الا لكفى به ان يرسل رسولا واحدا فقط من عنده على طول مدى الحياة ، لو كانت الناس تبقى على تعاليمه و شرائعه حتى بعد انقضاء اجله ، و هذا امر مستحيل فالانحراف يدب ما ان تخلو الارض من داع بأسمه و مطبقا لشرعه و حدود حلاله و حرامه . و هذا التمايز الثلاثي في المراحل على مستوى بعث الرسل نراه جليا في جميع حقب الوجود ، و يسري على جميع بني البشر فلا يختلف هذا المنحى ، سواءا اكان الدين يهوديا او مسيحيا او اسلاميا . ففي الديانة اليهودية نرى ان النبي موسى قد جاء بتعاليم و مبادئ عليا ، تمجد قيمة الرعية و تحفظ كرامتهم و تعز من شأنهم ، و تنجيهم من ظلم فرعون و سطوته و بطشه و جعل من آمن به و برسالته ذا شأن عظيم ، و لكن بوادر الانحراف من قبلهم قد ظهرت حتى اثناء حياة موسى النبي ، عندما همَ للقاء ربه اربعين ليلة و ما ان عاد حتى وجدهم يعبدون العجل من دون الله . و هذا الانحراف بالعقيدة انما كان البداية لوجود الطاغية كون الدين المزيف ، هو الارضية المناسبة لوجوده و تجذره ، و هذا ما كان واضحا بعد النبي حيث ظهرت البدع و الاقاويل و السلوكيات، و التي اوجدها القائمين على الدين اليهودي من الحاخامات ، و التي تناسب اهدافهم الدنيوية الخاصة و لكنها لا تجد اعتراضا كونها مغلفة بغلاف ديني .

دنيا زائلة

اما على مستوى الديانة المسيحية فلم يختلف الحال كثيرا ، ان لم نقل انه قد ازداد سوءا ، فقد انحرف الدين المسيحي الى حد كبير جدا ، بسبب القائمين عليه بعد المسيح بن مريم ، حيث اصبح القساوسة و الرهبان هم من يمثلون هذا الدين و يوجهونه الوجهة التي تخدمهم ، وتخدم اهواء الامير او الملك او الطغمة الحاكمة انذاك ، فنراهم من باب التزييف يدعون الناس الى ترك الاهتمام بالدنيا كونها فانية زائلة ، و ان عليهم ان يفكروا بالآخرة . و بذلك اصبحت الدنيا و بما حوت من ملذات ، يتمتعون بها بأسم الدين و اصبحوا يعطون للناس صكوك الغفران . حينها تسيد على هذه البلدان و المقاطعات التي انتشرت فيها هذه الديانة المزيفة طواغيت ، و انتشرت الحروب و المآسي ، و استمر هذا الحال ما يقارب العشرة قرون ، اقل ما توصف به انها قرون وسطى مظلمة حتى بزوغ عصر الاصلاح الديني ، الذي غيَر مفهوم الدين بأكمله و نهض بالفكر و تطور .

و بخصوص الديانة الاسلامية ، فكذا الحال بالنسبة للنبي الاكرم محمد ( صلى الله عليه وعلى آله و سلم ) ، فلا اختلاف بين رسالة كل الرسل ، دام المنزل واحد و بذلك جاء النبي للامة هدى و رحمة ، ليخرجهم من ظلم الباطل الى عدل الحق ، و بذلك و بعد كم محاولات الصد و الرد ، و كثير الصفات السيئة التي الصقت به ، و عديد محاولات التفشيل . استطاع النبي ان يتعدى المرحلة الاولى التي تحدثنا عنها سلفا، و الولوج الى عالم المرحلة الثانية ، وبذلك اصبحت الامة بقيادته ، تنعم بكل الخير و العدل و ملامح الروح الفطرية ، و التي اراد الله لبني البشر ان يعيشونها ، فلا ظلم و لا عدوان فالكل محاسب مراقب ، و يخضع لسلطة القانون ان تعدى حدوده و اخطأ . فإستطاع النبي تأسيس حياة اقل ما يقال عنها انها مدنية ، تراعي حقوق الجميع بلا تمييز ، لكن و كما البديهي و الطبيعي نرى ان ما بعد النبي الاكرم ، سرعان ما دب الخراب و انحدر البناء و تهاوى رويدا رويدا ، فأصبح ما بعده الدين مجرد رداء للحكم من اجل ديمومه القائمين عليه ، و بقاؤهم و ضمان عدم الثورة عليهم . فبعد مرحلة الخلفاء الراشدين ، التي من الممكن ان توصف به انها كانت لم تزل حينها تسير على خطى النبي ، مع بعض التباينات . الا ان ما بعد هذه الفترة الزمنية البسيطة قد ظهرت مراحل من الطواغيت ، ما انزل الله بها من سلطان ، ابتداءا من الحكم الاموي و ليس انتهاءا بالحكم العباسي . حيث قام كل من تولى الحكم في هذه الحقب الزمنية بالظلم و العدوان و الطغيان سافكا الدماء و منتهكا الاعراض مغيرا على جميع البلاد ، غير محترما لحقوق و مبادئ و قيم عانى الرسول من اجلها حتى ارساها و دعَم وجودها ، و كل هذا و للاسف بأسم الاسلام ، و مما كان يدعم بقاء هذه الثلة الظآلة المنحرفة هم وعاظ السلاطين ، الذين كانوا يبررون افعالهم و سلوكياتهم الجاهلية بأحاديث و روايات و تفسيرات و فتاوى مفصلة عليهم تفصالا و ما اكثرها ، فنجد بذلك تحولت الخلافة الى ملكية مستبدة ، و كلآ يدعي بأحقيته بها . فالحكم الاموي انما كان يعتمد في حصوله عليها من باب الوراثة من عثمان بن عفان لانه نالها بالشورى ثم قتل ظلما فخرجت منهم و بالقوة بعد ذلك استردوها و اعتمادهم على قرابة الرسول في ذلك ايضا ، و اعتمادا على هذه الادعاءات سرعان ما قام الفقهاء و الشعراء بتدعيم ملكهم و اضفاء القداسة عليهم . و لقد دعموا ملكهم الاستبدادي من خلال القول ان الله اختارهم للخلافة ، و اتاهم الملك . و هذا يذكرنا و يؤكد في ذات الامر، استعداد الشرقيين للتأليه و ان هذا الامر ليس وليد اليوم او الامس ، انما هو امر موغل في القدم و لم يقف في استخدامه على الامويين فقط ، بل حتى عند العباسيين ايضا فالمنصور بكل صراحة يقول " انا سلطان الله في ارضه اسوسكم بتوفيقه و تسديده و تأييده و حارسه على ماله اعمل بمشيئته و ارادته و اعطي بإذنه " . اضافة الى ذلك نجد ان هناك من الشعراء من يرتفع بالتقديس الى حد التأليه ، حيث يقول احد الشعراء للخليفة المعز لدين الله

ما شئت لا ما شاءت الاقدار فأحكم فأنت الواحد القهار

و كأنما انت النبي محمد و كأنما انصارك الانصار

و بطبيعة الحال لم يختلف حال الفقهاء عن الشعراء كثيرا في توظيف الدين ، الوجهة التي تتناسب مع اهواء و شهوات الملك . حيث نرى مثلا ان الرشيد قد قال لابي يوسف قاضيه الشهير و الملقب ( بفقيه الارض و قاضيها ) : اني اشتريت جارية ، و اريد ان اطأها الآن قبل الاستبراء . فهل عندك حيلة ؟ قال: نعم ! ، تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها . نلاحظ هنا استعداد الفقيه القاضي للفتوى ايا كان نوعها لارضاء غريزة الحاكم . الحاكم الذي عنده الفان من الجواري ، الحاكم الذي طرب في يوم ما فنثر على الحضور ستة ملايين درهم ، الحاكم الذي عيَن الذي اطربه واليا على مصر لانه اطربه ،هذا الحاكم كأنموذج لنعرف من خلاله كم الانحراف الذي اصاب التعاليم السماوية ، التي جاء بها النبي محمد ، الذي يضطجع على حصير ان شاء الجلوس و الراحة ، حتى بكى عليه احد اصحابه من اثر الحصير في جنبه ، و اراد له فراشا لينا . فكان جواب النبي : " أتظنها كسروية ؟ إنها نبوة لا ملك " . بذلك يتضح لنا ان الاديان على مختلف دعواتها و مشاربها ، انما استطاعت ان تنهض بالامم ، لان القائم على هذه الاديان كان حاملا لواءه هو لا غيره ، و اما فيما بعد غيابه ، تولي الناس الادبار و تنقلب على اعقابها ، و يعود الحال الى ذات الحال ، ان لم يكن الحال اسوأ ، مع اختلاف الحجة . بمعنى ان لا يتم التنازل عن الدين بل يتم تطويعه و تمييعه ، بما يتناسب مع الشهوات و الاغراض المصلحية ، و بهذا تصبح الرعية في غفلة مما دار و يدور، و لا يدركون انما يحكمون من قبل اناس منحرفين لا صلة لهم بالدين ، لا من قريب و لا من بعيد . ليغدو الدين بالفعل وقتها افيون الشعوب و مخدرا لهم، و يدعوهم للقبول و القنوع و الخنوع ، و هذا هو الدين المزيف على عكس الدين الحقيقي ، الذي يتسم بالثورية و اخذ الحقوق و الذي يرفض الظلم و العدوان و الاستغلال ، و الا لما اصبح دينا فعليا فالمفردات لا تغني و لا تسمن ، اذا ما كانت تنم عن مضمونها و محتواها الحقيقي الذي اوجدت من اجله .

{ باحث سياسي

عدد المشـاهدات 419   تاريخ الإضافـة 30/04/2021 - 14:49   آخـر تحديـث 26/07/2021 - 02:12   رقم المحتوى 49780
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Azzaman-Iraq.com 2016