الفنان التشكيلي ماهود أحمد: سيرتي وأبو زيد الهلالي واحدة
أضيف بواسـطة admin

الفنان التشكيلي ماهود أحمد: سيرتي وأبو زيد الهلالي واحدة

مجيد السامرائي

الدكتور ماهود أحمد.. المسكون بالرسم والوشم والسفر نحو مجرات بعيدة والذي يعيب على السندباد انه كف عن السفر رغم غريزة المغامرات التي في دمه واكتفى بسبع رحلات فقط ، وماهود الذي يجهل معنى اسمه لكن وشّامه قالت له بعد الأربعين ان معناه هو الذهب الصافي.. حدثني ماهود ونحن في الطريق الى مرسمه المتواضع.. عن المسكونون» رواية عبد الرزاق المطلبي الأخيرة وكلاهما عماريان من الجنوب..

قال في «المسكونون» اجواء تشكيلية ، تشبه الاجواء التي عشتها في طفولتي .. هي قصة مكونة من عدة قصص بمناخ عام.. هل رأيت لوحتي العشاء الأخير؟.. إنها تشبهها تماما.. ثم لوحتي «أسد بابل» لكن النهاية فيها تختلف عن نهاية ، المسكونون»

ثم حدثني عن طفولته . .

-  ..طفولتي لم تكن اعتيادية ، طفولة صاخبة جدا ، كنت فيها متمردا.. كثير القراءة ، كثير الرسم ، كثير الانزواء . وكنت اتجول في (مخيلتي) مسافرا ، نحو الفضاء الخارجي ، أنا امتاز بروح المغامرة .. ولقد لازمتني هذه الرغبة حتى الأن.. فلا زلت استثار بأفلام الخيال العلمي ، ولا أخفي سرا بقولي

انني اشعر بأنني رائد فضاء حقيقي وإن لم أسافر !

صحيح اني خسرت كثيرا في حبي للمغامرة ، وفي بعض المرات تكون خسارتي مريرة جدا ، لكن عزائي ، انني أواصل المغامرة مرة اخرى .. وانا اعيب عل السندباد انه انهى مغامرته في الرحلة السابعة ولو كنت مكانه لاستمرت سفراتي حتى هذه اللحظة ولاخترقت الثقب الأسود !!

{ اذن هل للدراما التي في الرواية أثر يرسم ؟ ..

يغمس فرشاته بالاحمر القاني ثم يكمل استدارة التفاحة ، في لوحة جديدة ..

- .. ربما يصح ذلك.. «دستيافسكي» ـ هكذا يلفظه - اثر فيَّ كثيرا .. ثم هيرمان هيسه (عند ماهود لوحة اسمها «ذئب البراري» استوحاها بعد ان قرا رائعة هيسة بذات الاسم).. ثم جاك لندن.. في مكتبتي جميع اعماله التي كتبها والبالغة (12) جزءا.. وأنا ولندن متشابهان في المغامرة والمشاكل فحين أواجه اخواني وزملائي الفنانين اشعر وكأنني في احد غابات الآسكا ، في مواجهة شرسة وعنيفة!! .. فالغابات ليست ملكي وقد استولى عليها الجميع لكنني يجب ان اعيش.. ولهذا فأنا ادخل في صراع معهم

{ هل يغمز أحد من أصحاب الحضارة الشخصية في الفن ؟ !»

- ..ليس هناك مصطلح بهذا المعنى .. حتى ان دلالاته غامضة.. فكلنا يعرف ان الشخصية لا تتكون إلا بعد ان تكتسب مقومات معينة تساعدها على ان تتعرف في المجتمع الذي تعيش فيه ؛ بشكل ايجابي يساعد على تطوره .. ولهذا فمجرد الحديث عن (الحضارة الشخصية) للفنان انما هو هروب من الاطار الحضاري الاصلي ، اي الذي اليه الفنان حاضرا ، هذا مفهوم لصيق بالحضارة الغربية ومصطلح يبعدنا عن المواجهة (العنيفة) مع الحياة

{ د. ماهود: الحضارة الشخصية ، قد تعني ان يكون للفنان المثقف وجود او شخصية ضمن الحالة الثقافية (الحضارية).. هل تكونت لك شخصية ذات وجود ضمن مسيرة الفن عندنا؟ .

- نعم.. انا من اكثر الفنانين العراقيين الذين تتميز في فرديتهم وابداعهم الشخصية الفنية فأنا ملتزم - اكثر من غيري - بالاطار الحضاري الذي تتمثل فيه الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولوحاتي لا ترى فيها إلا الانسان المعروف محليا!!

{ ولكن اي عمل فني يستدعي منك مزيدا من التفسير او احاطته بما يلي ذلك من عملية تأويل ادبي ؟

- ان لي بطبيعة الحال موقفا خاصا او مفهوما خاصا بالنسبة للوحة الفنية . فهي تعبر عن تجربة فريدة يقوم بها الفنان.. رغم ان تجربتي في رسم اللوحة الفنية تستمر طويلا جدا ، لذلك فهي تتطور مع تطور اللوحة .. أما التفسيرات الادبية فهي في رأيي مفروضة من الغير ، وليس مني كفنان.. المفروض ان يكون المشاهد صاحب خبرة ولو بسيطة في الاقل في التاريخ والجغرافية والحياة عموما ، فأنا لا ارسم الا للناس !

(اطلعني على لوحة تمثله هو داخل صندوق)

تعبير كلي

{ سألته.. هل اللوحة مرآة الانسان ؟!

- .. الفنان لا يستطيع ان يقول كل الاشياء في لوحة واحدة ، واللوحة تبقى - مع ذلك - عاجزة عن التعبير كليا عن الانسان.. انها دائما تعبر عن جانب واحد ، او جوانب عديدة.. لكن ليس كل ما يعتمل في نفس الفنان.. وبما ان الفن هو (نقد الحياة) فتبقى اللوحة رافدا للحياة حتى نتحد معها .

{ ولكنك ترسم همك الشخصي كأنسان تعنيه المشكلة ذاتها..؟

- هذا غير صحيح .. فإن همومي هي الاطار الحضاري الذي اعيش فيه.. هي هموم الانسان في العالم الثالث.. وهي هموم واضحة جدا ، ويمكن تعدادها.. انا يعنيني الجانب الدرامي المثير منها..

{ اذا كان الهم واضحا ، فما حاجتنا الى الفن.. ما هو دور الفن في الحياة؟ .

- هناك هموم مشرقة ، واخرى غير مشرقة.. الفن يعبر عن الجانب الجميل من الحياة.. اللوحة رد فعل لهم يجعلنا نحب الحياة.. وكأنني حين ارسم اضيف سنوات جديدة مشرقة للحياة وعمري !

{ ما معنى ان يتكرر رسمك الشخصي (صورتك انت) في مفردات اللوحة ؟ .

- حين ارسم صورتي «ذاتي» فهذا تأكيد عل روح الفنان ودوره ، والتعبير عن انسانيته.. انني احترم الشكل الانساني واحبه لدرجة التقديس !

لذلك لا أجد اي ضير في رسمه.. حتى ولو كان هذا الشكل يشبهني تماما.. وانا ارسم وجهي دون تنميق ، ملامحي عراقية بطابع شعبي ..

{ ذات مرة قلت لي إنك مثل ابطال السير الشعبية.. هل يندرج هذا ضمن الهالة التي تحيطها بذاتك ؟ !

- حين اقرا سيرة عنترة ، وأمرؤ القيس ، والهلالي.. أجد انني لا أختلف عنهم !! فأنا ايضا بطل في زماني.. كما كانوا ابطال زمانهم.. فقد ولدت في ميسان ، وكافحت من اجل ان اكون فنانا منذ طفولتي وبجهدي الشخصي ، وسيرتي في الدفاع عن الجمال والحياة هي اهم في الوقت الحاضر مما قام به اصحاب الســير القديمة !!

{هل هذا تضخيم للذات.. ام تفخيم لها ؟

- هذا تفخيم لها «نعم» انا جزء من هذا الشعب العظيم الفخم .

{ هل يختل ميزان اللوحة اذا خلت من صورتك انت ؟

- لا اعتقد ذلك.. فأنا اكاد ان اكون رمزا للانسان المكافع من اجل الجمال ..

{ لماذا لا تقول - اذن - نحن الفنانين مثل ابطال السير ؟

هل تعتقد ان بعض الفنانين لا يشكل كفاحهم الشخصي شيئا في مسيرة الفن ؟

- صدقني حين اقول انني احترم الجميع.. لا يمكن ان تكون حركة بدون جهد الجميع.. كلهم دون استثناء يساهمون في رفد الحياة والجمال والحب.. غير اني اختلف ، فسيرتي الذاتية استمدها من حياة مجتمعي الشعبية.. حياة الصفاء والبراءة وكل قيم الخير.. انا ارفض ان اتسلق البرج في باريس للنظر من اعلاه الى وطني.

{ ابطال السير فحول بالتأكيد.. هل المرأة عندك مقابل للفحولة.. المرأة كأنثى ؟

- الانثى ، في لوحاتي ، هي تعبير عن قيمتها منذ حضارة وادي الرافدين ولحد الان - انها ليست رمزا للجنس انما هي رمز للجمال والامومة والخير . وهي الارض ، اليست الارض انثى ؟

{ تصور المرأة دائما ضخمة ، أنها مصورة بعدسة عين السمكة.. ؟

- قلت لك إن المرأة رمز للأرض وتضخيمها تضخيم للجمال .

{ العري مبررك لنشر الوشم على المرأة المرسومة ، لكن النساء في آخر ايامك غير موشومات ؟

- بما ان الارض هي انثى ، فالوشم على جسد المرأة هو تطعيم الارض بالخضرة ، وهو تعبير عن الاتحاد بين المرأة كأنسانة وأم وبين الارض .

المرأة حقل رائع وكبير من الحنطة الذهبية ، هي مثل غابات القصب في الجنوب (حيث ولدت) والتي ترتفع هاماتها المخضرة حتى تكاد تصطدم سقف السماء !!

انها الفرح وحين تمر بها، تشعر بالطمأنينة تكاد تطبق عليك من كل جانب.. وكأنك في حلم لذيذ ناعم...

{ الطوطم احد مفردات لوحتك التي اختفت منذ بدء الحرب هل دخلت مرحلة جديدة في التعبير ؟

- رسمت كغيري من الفنانين موضوعات عديدة في زمن الحرب العدوانية من هذه الموضوعات (موضوع الشهيد) وقد يكون ذلك ايضا من تأثير استشهاد اخي (كريم احمد محمد) وفقده .

{ اعمالك تركيبية... هل تعتقد ان المنهج البنيوي هو الاصلح لتحليل لوحاتك ؟

- لاشك في ذلك .. غير انني لا امنح ذلك اهمية كبيرة .. ان لي اهدافي المحددة في كل لوحة.. استخدمها كقاعدة وعقيدة .. فاللوحة نفسها تمثل مسيرة حضارية كاملة لها زمن يكاد ان يغور في المستقبل.. وأنا واثق ان اعمالي تتجه نحو المستقبل اكثر من اية اعمال اخرى ..

{ ولكن البعض يصفك احيانا مع السرياليين!!

- لايمكن ان اكون سرياليا ، فهذا اتجاه ضد الفكر.. العرب المتصوفة هم اقرب الى السريالية.. انا اكثر التصاقا من غيري بالحياة.. بكل دقائقها وخلاياها!

{ انت تدعو الى الرسم على الطريقة المكسيكية.. ونحن لا نقف على ارض بركانية مثلهم.. ارضنا رسوبية.. شعبنا ثابت مستقر.. لا أعتقد ان كونهم ذوي حضارتين ، مبرر كاف لتقليد فنهم ؟

- هناك تشابه بيننا وبينهم.. في العادات والتقاليد ، كان بودي ان يستفيد الفنان العراقي من التجربة المكسيكية بدلا من الركض وراء ما يريده لنا الغرب .. ان محلّيتي هي السبيل الى العالمية ، رغم انني اعترف الآن انني استفدت من ارسكو وسيكيرس ورفيرا من ناحية الاتجاه والمنهج.. غير انني رسمت بروح عراقية فيها نكهة القصب والبردي والوشم ..

{ يهمنى ان اتعرف عل السلوك الخاص لماهود أحمد قبل الرسم ؟

- لا استطيع الرسم دون ان يكون في اعماقي ما يستفزني ويؤرقني.. فأقوم برسم عشرات التخطيطات الاولية حتى استقر في الأخير عل تخطيط كامل ..

الرسم بوعي

{ واثناء التنفيذ ؟.

- اثناء التنفيذ لا أقع في غيبوبة.. بل اكون مستيقظا تماما وأرسم بوعي كامل.. الاحظ كل جزء من اللوحة له الف حساب..

ولهذا فأن لوحتي متكاملة تماما .. اواجه بها المشاهد بكل قوة .

واعترف ان مشكلة اللون بالنسبة لي ليست اساسية في اللوحة.. فاللون هو احد العناصر الاساسية في اللوحة ، وليس كل اللوحة.. لهذا فأنا احيانا ارسم بلون واحد او بلونين واكتفي بذلك.. لأن عملي يتسم دائما بالحدة والمواجهة والصراع ، لهذا فالمشاهد لا يجد في أعمالي الا ما يستفزه .

ولوحاتي عادة ارسمها في مدد كبيرة قد تصل احيانا الى اربعة اشهر في رسم لوحة واحدة ، ولهذا فقد اقوم بتغييرات جوهرية فيها.. واحيانا طفيفة وانا اهتم كثيرا بمستقبل لوحاتي، من ناحية تكنيكها ، فقد اخبرني مسؤول الصيانة في مركز صدام للفنون ان اعمالي ونوري الراوي الوحيدة التي لم تصب بالتلف نتيجة صحة التكنيك المستخدم !

{  قلت انك ترسم بوعي، كامل .. هل تلغي دور اللا وعي ؟

- اللا وعي بالنسبة لي.. هو الخزين الانساني من مكتسبات في الماضي وتراكمات ، واسقاطها عل اللوحة الفنية.

ويجب ان يدم هذا بوعي كامل.. لست فنطازيا ، رغم ان الفنطازية واعية ومقننة وواضحة المعالم.. فرويد قال لدالي انك ترسم بوعي كامل.. ودالي حاول لن يوهمنا بأنه يرسم احلامه وبذلك يعمل جسرا بين اللا وعي ، جسراً بينه واللاوعي ، لكنه فشل في تحقيق ذلك.. لأن وحداته مرسومة بوعي كامل وبشكل صارم .

ولكن العلماء يا دكتور يقولون اننا في الحلم نرى الكثير من الرؤى الجميلة دون ان نتمكن من تحويلها الى اعمال فنية لأن ايدينا - عندئذ تكون غارقة في نوم عميق في حين نستطيع في لحظات اليقظة ان نبدع اعمالا حقيقية لأننا نستخدم نشاطنا اليدوي في تجسيم افكارنا وتجسيد اخيلتنا ، الفن يصنع العمليات التي تحدث عمليات فسلجية تحدث في الدماغ اثناء التجربة الفنية ، وحين يمارس الانسان الرسم تكون هي الاساس ..

{ قلت للرجل الذي لم ينعم طيلة حياته بنومة القيلولة ويرسم في كل الاوقات ..

يخيل لي ان احلامك صارمة.. ؟

- لا أؤمن بالاحلام.. حتى ان كان لها دور ما ، فليس بالدور المهم .. كل ما في الامر .. ان المتاعب المتشابكة في الدماغ

تخفف بالحلم.. الحلم مثل الرياضة البدنية !!

{ هل تشعر بسعادة ما بعد انتهاء اللوحة..؟

- تماما مثل شعور المنتصرين بعد معركة عنيفة ..

{ ما سر تشابه اسلوبك واسلوب وسماء حسن زوجتك ؟!

هل حصل هذا بتأثير عدوى المشاعر والاساليب ؟

- انا اجد ان الفنانة وسماء حسن تشق طريقها بشكل مختلف.. انها اقرب من (التوثيقية) منها الى التعبيرية ، والذي يخوض غمار هذه الاتجاهات سوف يواجه صعوبة كبيرة جدا لطبيعة هذا الاتجاه.. وكنت افضل ان تتجه وسماء اتجاها ينسجم مع طبيعتها كأمرأة باسلوب بسيط غير متعب .. فالواقعية ذات الطابع التعبيري او التوثيقي يتجنبه الجميع لصعوبته.. او لعدم تمكن الفنانين من السيطرة على اللوحة .

عدد المشـاهدات 2293   تاريخ الإضافـة 10/04/2021 - 14:39   آخـر تحديـث 21/06/2021 - 06:40   رقم المحتوى 49190
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Azzaman-Iraq.com 2016