رفعت طاهر بين الكرافيك والالوان الزيتية : اللوحة حالة إنسانية قبل أن تكون صورة
المدحتية - كاظـم بهـيــّة
رفعت طاهر (1984 – بغداد ) فنان تشكيلي تعيش التعبيرية بداخله وحين يرسم لايستطيع التخلص من هذه الروح التعبرية الحديثة ،فهو خريج معهد الفنون الجميلة.فرع الكرافيك بغداد 2004 خريج كلية الفنون الجميلة ، فرع الرسم بغداد 2010؛عضو في جمعية التشكيليين العراقيين ،ساهم في العديد من المشاركات داخل العراق وخارجه في معارض فنية جماعية ، وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية. في حوارمعه تحدث مع الخطوط واهم المحطات في حياته الفنية :
□ بين اللوحة الزيتية والكرافيك اين انت ؟
- أرى نفسي بين الاثنين فالزيت يمنحني مساحة أوسع للتعبير والبحث في اللون والملمس ،ما يمنحني الكرافيك وضوح الخط وقوة الفكرة وبناء التكوين ،لذلك لا أجد نفسي مضطرًا لاختيار أحدهما ،لأنني أجد في كل منهما جانبًا من تجربتي الفنية.
□ لماذ المدرسة التعبيرية الحديثة دون غيرها ؟
- لأنني أجد في التعبيرية الحديثة مساحة تشبهني فهي لا تتعامل مع اللوحة بوصفها نقلًا للواقع بل لانها تمنحني الحرية في اللون والخط والتكوين وتسمح لي أن أختزل الشكل أو أحرّفه حين يكون ذلك أكثر صدقًا مع الفكرة والانفعال. لذلك لم أخترها بحثًا عن مدرسة أتبعها، بل وجدتها تقترب من أسئلتي وهواجسي، ومن رغبتي في أن تكون اللوحة حالة إنسانية قبل أن تكون صورة.
□ ماالذي يميز مواضيعك عن غيره ؟
-أعتقد أن ما يميز مواضيعي انها تنطلق من الإنسان وحالاته الداخلية، الذاكرة الاغتراب الحلم والصراع بين الواقع وما نطمح إليه أحيانًا تكون الأشكال واضحة وأحيانًا تتشظى ،لأن ما في الداخل لا يُرسم حرفيًا بل يُحسّ ويتجاوز الشكل وأريد لاعمالي أن تحمل شيئًا مني وفي الوقت نفسه يترك للمتلقي حرية قراءته بطريقته فالفن يكتمل عند تفاعل المشاهد معه.
تفاصيل كلاسيكية
□ عن ماذا تبحث وما الذي تريده من الغموض في الوجوه بعيدا عن التفاصيل الكلاسكية ؟
-أبحث في الوجه عن الإنسان قبل الملامح وعن الحالة قبل التفاصيل ،لذلك أبتعد أحيانًا عن الوضوح الكلاسيكي أو الواقعية، لأنني أرى أن الوجه ليس مجرد عينين وأنف وفم، بل مساحة تختبئ خلفها أشياء كثيرة.. ذاكرة وخوف وحلم وصمت وأسئلة لا تُقال ،اما الغموض بالنسبة لي ليس إخفاءً للوجه بل كشفٌ لشيء أعمق فيه ،عندما أحذف بعض التفاصيل أترك مساحة للمتلقي كي يكمل الوجه من ذاكرته وإحساسه وربما يرى فيه نفسه أو شخصًا يعرفه أو حالة عاشها وأنا لا أريد للمتلقي أن يقول هذا الوجه يشبه فلانًا بل أريده أن يتوقف أمامه ويسأل :ماذا يخفي هذا الوجه وماذا يقول لي.. وهنا تبدأ بالنسبة لي حياة اللوحة الحقيقية.
□ ماذا يعني لك المكان الذي تركز عليه وخاصة حضور (بغداد) في اعمالك ؟
- بغداد تحديدًا هي الذاكرة التي لا أستطيع مغادرتها حتى عندما أغادرها، بغداد بالنسبة لي ليست مكانًا أرسمه بل ذاكرة أعيشها هي جزء من تكويني وذاكرتي البصرية والإنسانية شوارعها وجوهها وتفاصيلها مما تحمله من فرح وحزن وغياب وحضور.
□ نلاحظ في اعمالك الارقام والخطوط المبهمة ؛فما سر هذا ؟
- الرقم بالنسبة لي يحمل فكرة الزمن والذاكرة والعدّ أحيانًا يرمز إلى لحظة وأحيانًا إلى تاريخ أو أثر تركته الحياة بنا، أما الخطوط المبهمة فهي أشبه بكتابات لم تكتمل أو أفكار بقيت معلقة في الذاكرة ولم تجد طريقها إلى الكلام أحب أن تكون في اللوحة أشياء لا تُقرأ من المرة الأولى لأنني لا أريد أن أقدم كل شيء جاهزًا للمتلقي أترك بعض الأبواب مفتوحة للتأويل ليصبح المشاهد شريكًا في اكتشاف العمل لا مجرد متلقي فقط.
□ ما هو تقييمك لتجربة (الكرافيك ) في الفن التشكيلي باعتبارك احد المختصين فيه ؟
-تعلمت من الكرافيك قيمة الخط والاختزال والتكوين وكيف يمكن للفكرة أن تكون قوية حتى بأبسط العناصر ،أما تقييم تجربة الكرافيك في الفن التشكيلي فأفضل أن أتركه للنقاد والمتخصصين والباحثين ،لأن لكل فنان تجربته ومساحته الخاصة ولا أعتقد أن من دوري أن أضع أحكامًا أو مفاضلات بين التجارب ما أستطيع قوله هو أن الكرافيك ترك أثرًا واضحًا في تجربتي وما زلت أتعامل معه كجزء من هويتي الفنية حتى عندما أنتقل إلى اللوحة والتعبير باللون.
□ ماذا تريد ان تقوله في لوحاتك ؟
-ربما لم أكن أريد أن أقول شيئًا واحدًا محددًا، بقدر ما كنت أحاول أن أبحث عن نفسي في اللوحة وكانت تجربتي رحلة طويلة من الأسئلة والبحث ،وكان لأساتذتي وفي مقدمتهم الفنان الكبير الراحل محمد مهر الدين والفنان الراحل بلاسم محمد والفنان محمد الكناني وغيرهم مع حفظ الألقاب أثر مهم في تكويني ورؤيتي الفنية ليس من خلال تقليد تجربتهما وإنما من خلال ما تعلمته منهم من احترام الفكرة والبحث والصدق مع العمل ،وفي لوحاتي أحاول أن أقول إن خلف كل وجه حكاية وخلف كل غموض ذاكرة وإن هناك أشياء لا تستطيع الكلمات أن تقولها لكنها تجد طريقها عبر اللون والخط والصمت ومع مرور السنوات أدركت أن الفنان لا يقدم إجابات نهائية بل يترك أسئلة مفتوحة لذلك أعتقد أن ما أريده من لوحاتي هو أن تحمل شيئًا من تجربتي ومن ذاكرتي ومن الأمكنة التي عشتها،وأن تمنح المتلقي فرصة لأن يرى فيها شيئًا من ذاته أيضًا.