لا تتسرع يا بنيّ فالطلاق ليس لعبة
محمد خضير الأنباري
تصلُ أحيانا رسائلُ أوْ تساؤلاتٌ منْ رجالٍ أنهكتهمْ الخلافاتُ الزوجيةُ إلى مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، يتساءلونَ فيها عنْ الطلاق، حتى أصبحَ أحدهمْ يقول: (تعبتْ … أريدُ أنْ أطلقَ ) ، ثمَ تبدأُ التعليقاتُ منْ هنا وهناك؛ هذا يدعوهُ إلى الطلاق، وذاكَ يطالبهُ بالصبر، وثالث يحملُ الزوج المسؤولية، ورابع يتهمُ الزوجة، وكأنَ حياةَ أسرةٍ كاملةٍ، يمكنُ أنْ تختصرَ في تعليقٍ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي.
يا بنيّ … تمهل، فالطلاقُ ليسَ كلمة تقالُ في لحظةِ غضب، أو انتصارا على الزوجة، ولا إثبات للرجولة، أنَ بقاءَ الزوجِ في بيتها، لا يعني أنها مطالبةٌ بتحملِ الإهانةِ أوْ الظلم، فالزواجُ حياة مشتركة، والاحترام فيهِ ليسَ منة منْ أحدٍ على أحد، وإنما هوَ أساسٌ منْ أسسه. ربما يخطئُ الرجل، وتخطئُ المرأة؛ فليسَ أحدهما ملاكا معصوما منْ الخطأ، قدْ يكونُ الزوجُ فقيرا أوْ بسيطا أوْ هادئا أوْ قليلَ الكلام، لكنَ ذلكَ لا يجعلهُ إنسانا بلا كرامة، كما أنَ امتلاكَ المرأةِ شخصيةً قويةً أوْ قدرة على إدارةِ البيتِ لا يمنحها حقّ الانتقاصِ منْ زوجها أوْ إهانته.
القدرة على الاحترام
إنَ القوةَ الحقيقيةَ، ليستْ في إخضاعِ الآخر، إنما في القدرةِ على احترامهِ حتى في لحظةِ الاختلاف، وأحيانا تكونُ المشكلةُ أكبرَ منْ الزوجين؛ تدخلات الأهل، ضغوط المال، سوء الفهم، وكثرةْ العتاب، نقل الكلام، والتدخلِ في التفاصيلِ الصغيرة، كلها قدْ تجعلُ البيت ساحةْ صراع، بينما كانَ يمكنُ معالجةُ كثيرٍ منها بالحوارِ الهادئ.. لذلك، فكر، تريت، قبلِ أنْ تذهبَ إلى المحكمة، اذهبْ إلى الحكمة، اجلسْ معَ زوجتك بعيدا عنْ الغضب، حاولَ أنْ تسمعها كما تريدُ منها أنْ تسمعك، استعنْ بأهلها، وأهلكَ إذا كانوا منْ أهلِ العقلِ والإصلاح، استشرْ صديقا ناضجا يعرفُ متى يتكلم، ومتى يصمت، فربما كانتْ كلمة صادقة منْ إنسانٍ حكيمٍ سبب في إنقاذِ بيتٍ كامل. ولا تجعلُ غرباء الناس معرفةً بتفاصيلِ حياتك، ثمَ تمنحهمْ حقّ اتخاذِ القرارِ عنك، فبعض التعليقات؛ يكتب: (طلقها) أوْ (اتركيه) خلالَ ثوان، ثمَ يغلقُ هاتفه، ويعودُ إلى حياته، بينما أنتَ ستبقى أمامَ نتائجِ القرارِ سنوات، وتذكرا أنَ وراءَ بابِ المحكمةِ أطفالا.
هناكَ طفلٌ لا يفهمُ لماذا أصبحَ أبوهُ وأمه متخاصمين، وآخر يخشى أنْ يفقدَ أحدهما، وثالث قدْ يصبحُ طرفا في نزاعٍ لمْ يختره، هناكَ نفقة، حضانة، سكن، زيارات، التزامات قانونية، ومسؤولياتٌ أسرية، وكلُ ذلكَ لا يحسمُ بمنشورٍ أوْ تعليقٍ أوْ نصيحةٍ عابرة، إنما وفقَ القانون، وما تقررهُ الجهاتُ القضائيةُ المختصةُ بحسبِ ظروفِ كلِ حالة، لهذا، فإنَ السؤالَ عنْ النفقةِ أوْ السكنِ أوْ حقوقِ الأطفالِ قبلَ اتخاذِ القرارِ ليسَ عيبا، ولا تهربُ منْ المسؤولية، بلْ هوَ وعيٌ بالعواقب. منْ أرادَ الطلاق، فعليهِ أنْ يعرفَ حقوقهُ وواجباته وحقوق أطفاله، وأنْ يستشيرَ أهل الاختصاصِ القانونيِ بدلَ أنْ يبنيَ قرارهُ على كلامِ المتابعين.. في المقابل، لا يعني الصبر أنْ يعيشَ الإنسانُ في أذى دائمٍ أوْ إهانة مستمرة. فالصبرُ شيء، وتعطيلُ الحياةِ شيئا آخر. وإذا بذلتْ محاولات الإصلاح، واستنفدتْ وسائل الحوار، وتعذرتْ الحياةُ المشتركة، فقدْ يصبحُ الانفصالُ خيارا مطروحا، ولكنْ حتى عندها ينبغي أنْ يكونَ انفصالاً مسؤولا، لا انتقاما.
يا بنيّ … لا تتخذُ قرارا كبيرا، وأنتَ غاضب، لا تهدمُ بيتا؛ لأنك اختلفتْ في ليلة، لا تجعلُ كرامتك ذريعة لإهانةِ الطرفِ الآخر، لا تجعلُ الصبرَ ذريعةً لتحملِ ما لا يحتمل، تذكرُ أنَ الزواجَ قدْ يمرُ بأيامٍ صعبة، وأنَ بعضَ البيوتِ لا ينقصها الحبُ بقدرِ ما ينقصها العقلُ في لحظةِ الغضب.
إنْ استطعت أنْ تصلح، فأصلح، إنْ استطعت أنْ تصبر، فاصبر، إنْ احتجتْ إلى أهلِ الحكمة، فاستعنْ بهم، وإنْ وصلتْ الأمورُ إلى طريقٍ مسدودٍ فأعرفُ حقوقك وواجباتك قبلَ أنْ تخطوَ الخطوةُ الأخيرة، فالطلاقُ قدْ يكونُ حلا عندما تستحيلُ الحياة، لكنهُ ليسَ لعبةْ أطفال، ولا كلمةٍ ترمى في لحظةِ غضب، ولا قرار يملكهُ المعلقونَ على شاشاتِ الهواتف. تمهلْ يا بنيّ … فربما كانَ البيت الذي تريدُ هدمهُ اليوم، هوَ البيتُ الذي ستتمنى غدا لوْ أنك منحتهُ فرصة أخيرة للنجاة.