كريم يعيد قراءة الفن بلغة معاصرة لا تنكر جذورها
هواجس إنسانية ومكانية في أطياف وظلال
بغداد - علي الدليمي
عاد مؤخراً الفنان محمد كريم نهاية من تركيا بعد مشاركته في أحد المعارض المتميزة، إلى جانب نخبة من الفنانين العالميين. ولم يكن حضوره مجرد مرور عابر بين عشرات التجارب المحترفة، بل شهادة جديدة على أن الفن العراقي ما زال قادراً على أن يقول كلمته بصوته الخاص. تجربة نهاية لم تستند إلى استيراد جاهز أو تقليد مباشر، بل قامت على مرجعيات فنية تمتد في عمق الفن العراقي الأصيل، وتعيد قراءته بلغة بصرية معاصرة لا تنكر جذورها.
وتتجلى في مجمل أعماله بنية بصرية وثائقية وفلسفية في آن واحد، مفعمة بالشجون الإنسانية وبالذاكرة الجمعية المرتبطة بالبيئة العراقية.. لا يكتفي بالواقعية كمرآة ناقلة، بل يكسر خطوطها لصالح منبر تعبيري وتجريدي حاد يلامس تخوم التعبيرية التجريدية.
حيث يستحضر رموزاً أزلية تسكن الوجدان العراقي: السمك كعلامة حياة واستمرار، والأهوار كفضاء أسطوري وذاكرة ماء، والشخوص المتمترسة في العزيمة والانتظار كأنها حراس صمت.
وفوق كل ذلك أفق ملبد بالغيوم الحزينة والداكنة، كأنها تفرغ أحمالها من الوجع فوق مساحات قماشية مثقلة بطبقات لونية كثيفة وسميكة، هذا التراكم المادي للون لا يمنح السطح جمالاً زخرفياً فقط، بل يمنحه ملمساً درامياً يحاكي جدران المدن المتعبة، وتشققات الأرض العطشى، وجلد الزمن على الأشياء.
تبدو العناصر في لوحات نهاية كأطياف أو ظلال منتزعة من هواجس المكان الأبدي، أجساد بشرية ممتدة أو متلاحمة ترسم ككتل سوداء وبنية قاتمة، تتفاعل مع مساحات بيضاء ورمادية شاحبة.. لا تسعى هذه الأجساد إلى الكمال التشريحي، بل إلى التعبير عن ثقل الوجود، إنها كتل تبحث عن خلاص وسط فوضى بصرية، تتقاطع فيها خطوط زرقاء صريحة مع ومضات ترابية وذهبية خافتة.
مصير غامض
الزرقة ليست سماء مفتوحة بقدر ما هي جرح مفتوح، والتراب ليس خلفية بل أصل، والذهب الخافت ليس ترفاً بل بقايا ضوء في عتمة.. من هذا التقاطع يلخص الفنان صراع الكائن مع محيطه، ومع مصيره الغامض الذي لا يمنحه إجابات واضحة.
على صعيد التأثر والمرجعيات، يتكئ نهاية على إرث المدرسة العراقية الحديثة في التعبير عن الهوية والوجع المحلي، يستلهم روح ومناخات رواد الفن المعاصر الذين وظفوا الرمزية الشعبية والأسطورية برؤية معاصرة، فحولوا النخلة والسمكة والطير والأسطورة إلى مفردات بصرية قابلة للتجدد. لكنه لا يتوقف عند هذا الإرث، يمتد إلى تقنيات التعبيرية الغربية التي تعلي من شأن الأثر الجسدي للفرشاة والسكين، ومن خشنة الملمس في التعامل مع الذاكرة المادية والطبقات المخثرة على سطح اللوحة.
كما يستفيد من أجواء التجريد التعبيري في معالجة الأفق والكتل المعتمة، حيث لا يرسم الغيمة بل يرسم ثقلها، ولا يرسم الجسد بل يرسم غيابه الحاضر، ينصهر كل ذلك في بوتقة أسلوبية خاصة.. يتحول السطح التصويري عند نهاية إلى ساحة حفر وتنقيب مستمر، يحفر في الطبقات اللونية كما يحفر في الذاكرة، وينقب في جينالوجيا الألم الإنساني كما ينقب في تربة المكان.
لكنه لا يفعل ذلك استسلاماً للسواد، بل إيماناً بأن الجمال يبقى حتى رغم الخراب. فمن بين الكتل الداكنة يخرج وميض، ومن بين التشققات ينبت خط رفيع يشبه أملاً عنيداً.
ما يميز تجربة محمد كريم نهاية هو هذا التوازن الدقيق بين التوثيق والتأمل، هو لا يرسم بغداد كما يراها المصور، ولا يرسم الأهوار كما ترسمها بطاقة بريدية، يرسم ما تبقى منها في الروح، ما ترسب في العين بعد أن أغلقت.. يرسم الهاجس لا المشهد.
لذلك تبدو شخصياته بلا ملامح محددة أحياناً، لأنها ليست أفراداً بل حالات. وتبدو بيئته بلا تفاصيل جغرافية دقيقة، لأنها ليست مكاناً واحداً بل كل مكان عراقي حمل في داخله انتظاراً طويلاً.
اللون عنده ليس أداة تلوين، بل مادة تفكير، الكثافة اللونية تحاكي كثافة التجربة، والسماكة تحاكي تراكم السنوات، وحين يترك فراغاً أبيضا أو رمادياً شاحباً، فهو لا يهرب من الامتلاء، بل يمنح العين مساحة للتنفس وسط هذا الثقل.
هذا الحوار بين الامتلاء والفراغ، بين القتامة والوميض، هو ما يمنح أعماله قدرتها على البقاء في ذاكرة المتلقي بعد أن يغادر القاعة.
عودة نهاية من معرض دولي في تركيا لا تعني فقط اعترافاً خارجياً بتجربته، بل تعني أيضاً أن الفنان العراقي حين يصدق مع مادته وهويته، يجد له مكاناً بين التجارب العالمية دون أن يذوب، لم يقدم نفسه كنسخة من أحد، بل كصوت عراقي يحمل وجعه الخاص ويترجمه بلغة بصرية يفهمها الجميع.
يمكن القول إن محمد كريم نهاية يرسم «أطيافاً وظلالاً» لا ليوثق الحزن فقط، بل ليعلن أن هذا الحزن له شكل ولون وملمس، وأن خلف كل غيمة داكنة هناك ذاكرة، وخلف كل كتلة معتمة هناك جسد قاوم.. هو فنان يحول الخراب إلى بنية جمالية، والوجع إلى خط، والصمت إلى مساحة لونية تتكلم.
وفي زمن تتسارع فيه الصور وتستهلك بسرعة، تأتي لوحاته كوقفة تأمل طويلة، تذكرنا بأن الفن الحقيقي هو الذي لا يرسم ما نراه، بل ما نعيشه ولا نستطيع قوله.