دراسة نقدية في ديوان تنبؤ الأقدام للشاعر محمد مجيد حسين
تنبؤ الأقدام: تشظي الدلالة وتفكيك المركز
فاطمة العبدالله
ينفتح ديوان " تنبؤ الأقدام" للشاعر محمد مجيد حسين على بنية شعرية تتسم بتشظي الجملة وكثافة الانزياح وتجاور العلامات خارج منطق سببي أو سردي مباشر. غير أن هذا التشظي لا يلغي انتظام النص، بل يكشف عن شبكة من العلامات المتكررة والعلاقات التقابلية والحقول الدلالية المتداخلة، التي تنتظم في ما يشبه نظاما داخليا خاصا بالديوان. وانطلاقا من ذلك، تعتمد هذه القراءة ثلاثة مداخل متكاملة: المقاربة البنيوية في تتبع العلاقات التي تنتظم العلامات داخل البنية النصية، والمقاربة التفكيكية في مساءلة ثبات هذه العلاقات والمراكز الدلالية التي تستند إليها، و المقاربة النفسية الرمزية في قراءة ما يتكرر في النص من علامات الفقد والاغتراب والجسد والموت والحلم بوصفها تمثيلات للذات الشعرية في علاقتها بذاكرتها وقلقها الوجودي .
العنوان بوصفه بؤرة دلالية
يقيم عنوان الديوان " تنبؤ الأقدام" مفارقة دلالية منذ لحظته الأولى فـ" الأقدام" تحيل إلى الحركة والمسير في حين يحيل " التنبؤ" إلى استشراف ما لم يأت بعد. ومن ثم تتقاطع في العنوان دلالة الحركة مع دلالة المصير، بحيث تغدو الأقدام وهي أداة السير محمولة على سؤال معرفة الطريق ونهايته.
وتتأسس هذه العلامة مبكراً في قول الشاعر: "الأقدام في مهدها تتشاور" ، ثم تتكرر في " الأقدام متنبئة" ، ولاحقا في "الأقدام المتنبئة تبسط سلطانها" . غير أن تكرار العلامة لا يقود إلى تثبيت معناها، بل إلى تحويره وزحزحته، إذ تنقلب القدرة المفترضة على التنبؤ إلى عجز صريح في قوله: " فالأقدام المتنبئة تسقط / حتى في الفخاخ الثانية / وتفقد حواسها تباعا" . ويبلغ هذا التحوير مداه في قوله: " وربما كانت / مسيرة الأقدام / وفلسفة التنبؤ / أكذوبة لا تخدم أحدا " .
هنا تتعرض العلاقة بين " الأقدام" و" التنبؤ" لإعادة بناء من داخل النص نفسه: فالأداة التي يفترض أن تقود نحو المستقبل تصبح عرضة للسقوط وفقدان الحواس والتنبؤ الذي يمنح الحركة معناها يتحول إلى احتمال الوهم. وبذلك لا يعود العنوان مجرد تسمية خارجية، بل يغدو بؤرة تتولد حولها أسئلة الديوان عن إمكان استشراف المصير وحدود الحركة، وهشاشة الإرادة أمام ما يستعصي على التوقع .
البنية العميقة وشبكة الثنائيات
تكشف البنية العميقة للديوان عن شبكة من العلاقات التقابلية التي تسهم في بناء تماسكه الداخلي رغم تشظي جمله وصوره. ومن أبرز هذه التقابلات: الضوء/الظلام، الحلم/الهزيمة، الماء/اليباس، الحضور/الغياب، الصمت/الكلام، الوطن/الغربة، الجسد/الروح، الميلاد/الموت، والحركة/السقوط. غير أن هذه الثنائيات لا تستقر بوصفها أقطابا متعارضة وثابتة، بل تخضع للتحوير وإعادة توزيع الوظائف الدلالية داخل النص.
فالضوء، الذي يرتبط تقليديا بالكشف والانفتاح يفقد فاعليته في قوله: " تكاسل الضوء / في العبور" ، ويتضاعف هذا الانقلاب في صورة " المصابيح / غير المضيئة" . وكذلك تتجاوز النار دلالتها المألوفة بوصفها مصدرا للدفء والنور لتغدو علامة ملتبسة تجمع بين الدفء والاحتراق، كما في:
" أتدفأ على حريق أحلامي" ، وفي قوله: "يتسع باب النار" . وبالمثل، يتحول الماء، بوصفه علامة على الحياة والارتواء إلى قرين للعطش، فيما تتجاور الحركة مع السقوط، والحلم مع الانكسار.
وبذلك لا تعمل الثنائيات في الديوان على إنتاج تقابل حدي مغلق، وإنما على توليد توتر دلالي يعيد تشكيل كل قطب من خلال علاقته بنقيضه. ومن هنا تتأسس البنية الداخلية للنص على التوتر والتحول أكثر من استقرار المعنى ، إذ لا تتحدد العلامة بما تحمله منفردة، بل بما تكتسبه من موقعها داخل شبكة العلاقات التي تتقاطع فيها المتضادات وتتبادل وظائفها.
من البنية إلى التفكيك
إذا كانت المقاربة البنيوية تنظر إلى المعنى من خلال العلاقات التي تنتظم العلامات داخل البنية، فإن المقاربة التفكيكية تتجه إلى مساءلة ثبات هذه العلاقات، والكشف عن التوترات التي تحول دون استقرار أي علامة في مركز دلالي نهائي. وفي ديوان " تنبؤ الأقدام" لا تأتي هذه الزحزحة من خارج البنية، بل تتولد من داخلها، إذ تقيم العلامة معناها ثم تعيد تقويض استقرارها عبر استدعاء ما يناقضها.
يتجلى ذلك بوضوح في قول الشاعر: " جزماً / أنا موجود / جزماً / أنا خارج الوجود" . فالوجود لا يثبت هنا بوصفه حضوراً مستقلا ً ، و إنما يتحدد من خلال نقيضه وبذلك يفقد "الحضور" امتيازه بوصفه مركزاً مكتفياً بذاته. ويتكرر هذا الاشتغال في قوله: " الشطب نقيض الفراغ" ، حيث لا يكتسب الشطب دلالته إلا باستحضار الفراغ، وفي قوله: " القصيدة / هي سقف / العالم المضاد" ، إذ تقترح القصيدة فضاء بديلاً غير أن هذا البديل يظل مرتبطاً بالعالم الذي يقاومه، فلا يستقل عنه استقلالاً نهائياً.
ومن هذا المنظور يمكن استحضار مفهوم دريدا في "différance" بما ينطوي عليه من اختلاف وإرجاء فالدلالة لا تحضر مكتملة في العلامة ذاتها، وإنما تتشكل عبر علاقاتها بغيرها، وتظل قابلة لإعادة التحديد كلما دخلت في شبكة جديدة من الاختلافات. ومن ثم لا يعمل الديوان على إحلال مركز دلالي جديد محل مركز قديم، بل على زحزحة فكرة المركز ذاتها بحيث يصبح المعنى نتاجاً لحركة مستمرة بين العلامات.
ويتضح ذلك في التحولات التي تصيب العلامات المركزية في الديوان: فالضوء لا يستقر بوصفه علامة للخلاص، بل يظهر في سياقات العجز والرماد، والحلم لا يحتفظ بصورة الخلاص المنجز، وإنما يتشكل في مجاورة الهزيمة والجوع والانكسار. وهكذا لا تنقض القصيدة الثنائيات بصورة مباشرة، بل تكشف اعتماد كل طرف على الآخر في إنتاج دلالته، فتغدو العلاقة بين المتقابلات أكثر أهمية من أي طرف منفرد.
وتبلغ هذه الزحزحة كثافتها في ثنائية الماء/اليباس ، التي تتصل مباشرة بمسيرة " الأقدام" . يقول الشاعر: " قدماي يابستان / في ربيع / ينبض بالمثابرة" ، ثم يقول: "أفتقد الماء / وسط النهر" . فالعطش هنا لا يقع في فضاء يخلو من الماء، بل في قلب حضوره، الأمر الذي يقلب العلاقة التقليدية بين الماء والارتواء ، ويجعل الحضور نفسه مشروطاً بإمكان الغياب. ويؤكد الديوان هذا التداخل بقوله: " الماء / واليباس / وجهان متضامنان " .
وعليه، لا تعود " الأقدام" مجرد علامة على الحركة، بل تصبح صورة لمسار دلالي متعثر: تسير نحو ما يفترض أن يكون خلاصاً ، لكنها تواجه العطش والسقوط و الاستحالة. وبذلك تتقاطع حركة الأقدام مع حركة الدلالة ذاتها، فكما لا تبلغ الأقدام مركزاً مستقراً، لا تبلغ العلامة معنى نهائياً مغلقاً. وهذه الموازاة بين مسير الذات ومسير الدلالة تمنح البنية التفكيكية في الديوان بعدها الأعمق: المعنى لا يتوقف عند نتيجة، بل يظل مؤجلاً و مفتوحاً على إعادة التشكيل...
الأم والذاكرة والبنية النفسية للفقد
يحضر رمز الأم في الديوان عبر مجموعة من العلامات الحسية التي تستدعي الذاكرة أكثر مما تقدم الأم بوصفها شخصية سردية أو موضوعاً عاطفياً مباشراً. يقول الشاعر: " أمي تضع الحطب / في التنور / وتبحث عن علبة الكبريت / الشاردة" ، ثم يستعيد حضورها من خلال الرائحة في قوله: " استنشقت رائحة / جبنة أمي" ، قبل أن ينتقل هذا الحضور إلى فضاء الفقد في" قبر أمي / الهادئ" ، وصولا إلى قوله: " أمي تسلم / آخر حصونها" .
وتكشف هذه الصور عن انتقال دلالي من حضور الأم في تفاصيل الحياة اليومية إلى حضورها بوصفها أثراً للغياب. فالتنور والحطب والطعام والرائحة لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، و إنما تستعيد عالماً حسياً يرتبط بالبيت والطفولة والأمان، بينما يحول القبر هذا العالم من حضور معاش إلى ذاكرة تستعاد من موقع الفقد. ومن هنا يغدو حضور الأم في النص مزدوجاً : حضورها بوصفها ذاكرة، وغيابها بوصفه فقداً.
ومن منظور نفسي رمزي، يمكن قراءة هذا التكرار بوصفه استدعاء لمرجع وجداني يستمر أثره داخل الذات الشعرية رغم غيابه الواقعي من غير أن يعني ذلك اختزال التجربة في سيرة الشاعر أو تقديم تشخيص نفسي لها. وتكمن المفارقة المركزية في أن العلامة التي تستحضر الأمان هي نفسها التي تقود إلى استحضار فقده فالأم لا تعود إلى النص بوصفها حضوراً مكتملاً، و إنما بوصفها أثراً يتشكل بين الذاكرة والغياب. وبذلك يتحول الفقد من واقعة جزئية إلى بنية دلالية تمتد في علاقة الذات بالماضي والبيت والطفولة...
الظل والجسد والذات المتآكلة
تتضافر في الديوان علامات الظل والجسد والحواس والجوع والعطش والدموع لتشكيل حقل دلالي تنتقل فيه تجربة الاغتراب من المجال الخارجي إلى مستوى الذات وتجربتها الجسدية و الإدراكية . يقول الشاعر : " لا ظل لشجرتي / لا عنوان لنهاري / كأني أفقد / طعم الحواس" ، ثم تتكثف دلالة التآكل في قوله: " الذات المتآكلة" ، وتتخذ بعداً جسدياً أكثر وضوحاً في: " الجسد المحكوم / صوب الارتخاء".
ولا يبدو فقد الظل هنا مجرد فقدان لعنصر مكاني، فالشجرة، بما تحمله من إيحاء بالحماية والامتداد تظهر منزاحة عن وظيفتها حين تغدو بلا ظل، فيتزامن ذلك مع فقدان الذات "العنوان" و" طعم الحواس" . وبذلك تتداخل علامات المكان والجسد والإدراك لتشكيل صورة لذات تتعرض لاضطراب علاقتها بمحيطها وبإدراكها لوجودها.
ويتعمق هذا التوتر في قوله: " وأنا مصلوب / في فخ متجدد / عظامي فقدت / خصوبتها" ، حيث يتحول الجسد إلى حيز تتجسد فيه آثار الانكسار و الاستنزاف. فالعظام، بوصفها بنية حاملة للجسد، تفقد " خصوبتها" في استعارة تنقل الأزمة من مستوى الشعور إلى بنية الجسد ذاته، وتكشف عن ذات عالقة في حالة من الاستنزاف والتعطيل. وهكذا يغدو الجسد في الديوان ليس مجرد موضوع وصفي، بل علامة تتقاطع فيها الهوية والاغتراب وفقدان القدرة على الاستمرار...
الأسطورة والتناص
يستدعي الديوان مجموعة من المرجعيات الدينية والأسطورية والثقافية، فيستحضر آدم وحواء وقابيل وطروادة ضمن نسيج شعري يعيد وصل الذاكرة الموروثة بأسئلة التجربة المعاصرة. يقول الشاعر: " آدم / أيها المخطئ / ماذا تعني الدموع؟" ، ثم يخاطب حواء: " أيتها المستمتعة بالوصال / بماذا تذكراك خطوات قابيل الأولى؟" ، وفي موضع آخر يحيل إلى ما بعد طروادة بقوله: " الأحصنة / بعد طروادة " .
ولا تأتي هذه الإحالات بوصفها استعادة محايدة للمرجعيات، وإنما تدخل في إعادة تشكيل دلالتها داخل السياق الشعري. فاستدعاء آدم يقترن بالخطأ والدموع، واستحضار حواء يتقاطع مع " خطوات قابيل الأولى " ، بينما تحيل طروادة إلى أثر الحرب وما يبقى منها بعد انقضاء الحدث. وبذلك تنتقل المرجعيات من مستوى الحكاية الأصلية إلى فضاء دلالي جديد تتقاطع فيه الخطيئة والعنف والفقد والهزيمة.
ومن هذا المنظور، يمكن الإفادة من مفهوم جوليا كريستيفا للتناص، الذي ينظر إلى النص بوصفه فضاء تتقاطع فيه نصوص وثقافات سابقة، لا بنحو الاستنساخ، بل عبر الامتصاص والتحويل وإعادة إنتاج الدلالة. وعليه، فإن آدم وحواء وقابيل وطروادة لا يظهرون في الديوان بوصفهم شخصيات مستقلة، وإنما بوصفهم علامات ثقافية يعيد النص إدخالها في بنيته الخاصة، فتكتسب دلالات جديدة من خلال علاقاتها بالذات الشعرية وبشبكة الاغتراب و الفقد والصراع التي ينتظم بها الديوان .
الوطن والاغتراب
لا يحضر الوطن في الديوان بوصفه مكاناً جغرافياً مستقراً فحسب، بل يتشكل بوصفه فضاء تتداخل فيه دلالات الانتماء والاغتراب والانكسار. يظهر ذلك في عبارات مثل : " التقنين / في وطني " ، و" الوطن المتراجع" ، ثم تبلغ المفارقة ذروتها في قوله : " في الوطن المغترب " . فإسناد الاغتراب إلى الوطن ذاته يزحزح العلاقة المألوفة بين الذات والمكان ، إذ لا يعود الاغتراب نتيجة ابتعاد الذات عن الوطن، بل يتحول إلى صفة تلحق بالمكان نفسه.
و تتجسد هذه الرؤية في المشهد: " أقف في ساحة الحسرة / من مدينة القلب / أتجه شمالا / أرى الحرائق / اتجه جنوبا / لا أرى سوى الرماد / أعود / إلى الساحة " . فالحركة بين الاتجاهات لا تفضي إلى فضاء مغاير، إذ تقود الوجهتين إلى صورتين متقاربتين من الخراب: الحرائق والرماد، قبل أن تنتهي الحركة بالعودة إلى نقطة الانطلاق. ومن ثم تأخذ الحركة شكلاً دائرياً مغلقاً، تتحول فيه " الأقدام " من وسيلة للانتقال إلى علامة على تعثر المسير واستحالة بلوغ فضاء بديل.
وبذلك يتجاوز الاغتراب في الديوان دلالة الابتعاد المكاني ليغدو بنية ملازمة لعلاقة الذات بالمكان ، فالوطن حاضر بوصفه موضع الانتماء، لكنه يظهر في الوقت نفسه متراجعاً و مغترباً ، الأمر الذي يضاعف التوتر بين الحاجة إلى المكان واستحالة الاطمئنان إليه.
القصيدة في مواجهة الخراب واللغة بوصفها موضوعاً
على الرغم من هيمنة مفردات الجوع والموت والخراب، يحتفظ الديوان بطاقة مقاومة تتجلى في قدرة الحلم على إعادة إنتاج إمكانه داخل فضاء الانكسار. يقول الشاعر: " في فوضى الانكسار / اكتشفت صلابة الطموح " ، ويقول: " حلم يستبسل / حتى في صفحات مختبئة " . وتتخذ هذه المقاومة صورتها الأكثر كثافةً في قوله: " ينبت الحلم / في أحشاء سمكة / سقطت من أحشاء حوت / على اليابسة " ، حيث ينشأ الحلم في فضاء يناقض شروط الحياة نفسها، فيغدو بقاؤه فعلاً رمزياً في مواجهة الانطفاء.
4 يتبع
ومن هذا المنظور تكتسب العبارة : " القصيدة / هي سقف / العالم المضاد " دلالتها ، فالقصيدة لا تكتفي بتمثيل الخراب، و إنما تقترح فضاءً رمزياً موازياً له. غير أن هذا الفضاء لا يمثل خلاصاً مكتملاً ، بقدر ما يكشف عن قدرة الكتابة على إنتاج بديل رمزي حين يعجز الواقع عن توفيره.
ويتصل بذلك وعي الديوان باللغة بوصفها جزءًا من موضوعه الشعري، لا مجرد أداة للتعبير. يتجلى هذا الوعي في عبارات مثل: " عندما تحصل اللغة / على مبتغاها " ، و" النص العطش" ، و" الانزياح المنضبط / ينعش فاكهة القصيدة " . كما ترد عبارة " لغة الإثارة / الأكثر انتشاراً "، بما يفتح سؤالاً حول وظيفة اللغة وطاقتها على إنتاج الدلالة.
وبذلك تتقاطع في الديوان أزمتان: أزمة الواقع وأزمة التعبير عنه. فإذا كانت القصيدة تقاوم الخراب ببناء " عالم مضاد" ، فإن اللغة تظل في الوقت نفسه موضع اختبار دائم ، تبحث عن صيغة قادرة على احتواء تجربة تتسم بالتشظي والتوتر وعدم استقرار المعنى. ومن هنا لا تكون الكتابة مجرد استجابة للواقع، بل تصبح جزءا من الصراع على إنتاج دلالته.
وعليه، تكشف القراءة الكلية لديوان " تنبؤ الأقدام " أن التشظي الظاهري في بنائه لا يعني غياب النظام، بل يكشف عن انتظام داخلي يتأسس على التكرار والتحوير والتضاد والتناص. فقد أظهرت المقاربة البنيوية شبكة العلامات والحقول الدلالية والعلاقات التي تمنح الديوان تماسكه الداخلي، بينما كشفت المقاربة التفكيكية أن هذا التماسك لا يقود إلى مركز دلالي نهائي، إذ تظل العلامات مشروطة بعلاقاتها بغيرها، حاملة آثار نقيضها، ومفتوحة على إرجاء المعنى وإعادة تشكيله. أما المقاربة النفسية الرمزية، فقد أضاءت حضور ذات شعرية مثقلة بالفقد والاغتراب، تستعيد الأم والطفولة والجسد والظل والحلم بوصفها علامات تتصل بذاكرة الفقد وقلق الوجود.
وفي امتداد هذه الشبكة الدلالية، تتبلور " الأقدام" بوصفها العلامة المركزية في الديوان ، فهي تمثل الحركة، لكنها تتعرض للسقوط، وتحيل إلى التنبؤ، لكنها تخطئ، وتوحي بالتوجه نحو المستقبل، فيما تظل مشدودة إلى آثار الماضي. ويتكرر هذا الانقلاب الوظيفي في علامات أخرى: فالماء يقترن بالعطش، والنار بالدفء والاحتراق، والضوء بالعجز، والوطن بالغربة، والحلم بالمقاومة المؤجلة. ومن ثم لا تعمل هذه العلامات بوصفها وحدات دلالية ثابتة، وإنما تتحدد قيمتها من خلال تحوير وظائفها وإعادة توزيعها داخل البنية النصية.
وعليه، لا تتحدد القيمة الجمالية والدلالية للديوان في غرابة الصورة الشعرية منفردة، بل في الطريقة التي يعيد بها بناء العلاقات بين العلامات، بحيث يغدو التناقض نفسه آلية لتوليد المعنى. فالنص لا يقدم دلالة مكتملة ونهائية، و إنما يستدرج القارئ إلى المشاركة في إنتاجها و تأويلها ، وكلما بدا أن الدلالة قد اقتربت من مركز مستقر، أعاد النص زحزحة هذا المركز وفتح الدلالة على احتمال آخر.
ومن هنا تتجلى المفارقة النهائية التي ينتظم حولها الديوان: الأقدام لا تكف عن المسير، غير أن الوصول يظل مؤجلاً ، والقصيدة لا تنهي السؤال، بل تحول استمراره إلى طاقة مقاومة. وبذلك يصبح " تنبؤ الأقدام " نصاً يتأسس توتره الدلالي على مسافة دائمة بين الحركة والوصول، والحضور والغياب، والحلم والانكسار، لتظل الدلالة فيه فعلاً متجدداً لا نتيجة نهائية .