من حياة الموصليين وقت الأزمة.. يوم خرجت المدينة وأغلقت الطرق
سعد العبيدي
تجلس ريما صباح العاشر من حزيران 2014 في مكتبها بجامعة الموصل، تتأمل الطلبة المنحنين على أوراق امتحاناتهم النهائية في القاعات القريبة. وفي الممرات يمضي يوم جامعي مألوف، وتمضي هي يومها في انتظار انتهاء الدوام، تفكر بابنتيها، وبأعمال البيت التي تركتها معلّقة بانتظار العودة.
موعد الامتحانات
تصل الأخبار متقطعة؛ إطلاق نار في الجانب الأيمن، طرق أُغلقت، وحديث عن حظر للتجوال. يصغي الموظفون بعضهم إلى بعض. كل واحد منهم يحمل خبرًا يختلف عن غيره. ثم يأتي صوت القذائف من بعيد، فتتبدل ملامح الوجوه، وتتحول الأسئلة من موعد انتهاء الامتحان إلى الطريق الأكثر أمانًا للوصول إلى البيت. ومن نافذة مكتبها تتأمل ريما المدينة التي بدأت تتغير خارج أسوار الجامعة، ثم تعود بنظرها إلى قاعات الامتحان؛ مقاعد أُخليت على عجل، وأوراق امتحانية بقيت مبعثرة فوق الطاولات.
يقترب صوت انفجار، فتضطرب الممرات. يخرج موظفون من مكاتبهم. تلتقط حقيبتها، وتسرع مع الآخرين نحو بوابة الجامعة. تكتشف أن القلق سبقها إلى الشارع؛ سيارات تتدافع، وأبواق تتداخل، ووجوه تلتفت نحو الأصوات القادمة من بعيد.
تبحث بين السيارات عن وسيلة تعيدها إلى ابنتيها قبل أن يصبح الطريق إلى البيت أصعب. تجد واحدة يقودها رجل مسن، فتجلس إلى جواره. يمسك المقود بكلتا يديه، وعيناه تتنقلان بين الطريق والمرايا. يحاول أن يجمع من المشاهد المتفرقة صورة لما يحدث. يأتي إطلاق النار من بعيد ثم يقترب، وتخف الحركة عند بعض التقاطعات، فيما تمر سيارات مسرعة في الاتجاه المعاكس.
تصل إلى البيت، فتجد ابنتيها في الانتظار. تتعلق الصغيرة بها، وتبادرها الأخرى بأسئلة عما تسمعه في الخارج. تضمّهما، وتحاول منح صوتها هدوءًا تفتقده في داخلها. ثم يهتز البيت على وقع قذيفة تسقط قريبًا. تفزع الطفلتان وتلتصقان بها. تطوقهما بذراعيها، وتنظر إلى زوجها. ما كانت تسمعه في الجامعة من بعيد، صار الآن يهز الجدران.
يُطرَقُ الباب بوقع مرتجف. تسرع إليه، فتجد شقيقها الشرطي واقفًا بملابس مدنية، كأنها ليست له. تُدخله مسرعة، وتغرقه بسيل من الأسئلة.
- تركنا المركز... غادر الآمر، فتفرق المنتسبون.
يتوقف قليلا ويكمل: شاهدت في طريقي قادة وآمرين يتركون مواقعهم، ورجال أمن يخلعون بزاتهم ويتفرقون. يتحدث وهو ما يزال يلتفت نحو الباب، كأن الطريق الذي جاء منه تبعه إلى البيت.
تنظر إليه بدهشة. قبل ساعات كان واحدًا من رجالٍ تُعلّق المدينة على بقائهم شيء من أمانها، وها هو يقف أمامها يبحث، مثلها عن مكان آمن.
يمر الليل ثقيلًا. أصوات متقطعة تأتي من جميع الجهات، وأخبار تتنقل بين الهواتف والبيوت، أسرع من قدرة أحد على التحقق منها. تنام الطفلتان نوما متقطعا، وتبقى ريما وزوجها يتابعان ما يصل إليهما، بينما يجلس الشقيق حاملًا من الصمت ما يكفي للتعبير عن حال المدينة.
تتضح الصورة أكثر مع الصباح. عائلات تستعد للمغادرة، وأخرى سبقتها إلى الطريق. جنود تركوا مواقعهم، وضباط خلعوا رتبهم وغادروا. مشهد تختلط فيه العوائل الهاربة برجال أمن تخلّوا عن مسؤولياتهم، وكأن الجميع يبحث عن الطريق نفسه إلى النجاة.
تقف ريما عند الباب تراقب المارة. امرأة تجر طفلًا بيد وتحمل حقيبة بالأخرى، ورجل يحشو ما استطاع في صندوق سيارته، يتفاديان ناقلة أشخاص مدرعة تكاد تبتلع الطريق. يصعب عليها، في تلك اللحظة، أن تعرف من كان يحمي مَن؛ فالمدينة وأهلها وحماتها جميعًا يمضون في اتجاه واحد: بعيدًا عن الخطر.
يتراجع التردد. تجمع بعض ملابس ابنتيها، وما خفّ حمله من حاجات. تنظر حولها؛ أثاث وصور وأشياء السنين، ستبقى حيث هي. تقف عند الباب لحظة، ثم تغلقه خلفها، من دون أن تعرف متى ستعود لتفتحه. وعلى الطريق إلى أربيل، تتداخل السيارات بالسائرين مشيًا، ويضيق المجال بأعداد المغادرين. مركبات تتقدم ببطء، وأخرى تحاول أن تجد منفذًا بين الزحام، فيما يمتد الطابور الى الأمام، كأن الموصل قد انسكبت على الطريق.
طابور طويل
عند المساء تصل السيارة المستأجرة إلى آخر نقطة تفتيش في حزام أربيل. طابور طويل، وتدقيق في الهويات والوجوه والأسماء، خشية التسلل بين القادمين. يطول الانتظار، ويهبط الليل، تنظر إلى الطريق خلفها. للمرة الأولى منذ غادرت بيتها، يخطر لها أنها ربما كانت ستشعر بأمان أكثر لو بقيت فيه.
تمضي بقية الليل تبحث مع زوجها وطفلتيها عن مكان يؤويهم. أبواب الفنادق مزدحمة بالقادمين، والغرف امتلأت قبل وصولهم. ينتقلون من مكان إلى آخر، يثقل التعب خطواتهم، وتتوالى أسئلة الطفلتين. يطلع الصباح وهم ما يزالون بلا مكان. وعند الظهر يُنقلون إلى مخيم للنازحين، يدخلونه بحقيبتهم الصغيرة. وهناك تبدأ حكاية أخرى؛ تعدّ فيها ريما الأيام التي تفصلها عن العودة إلى بيت أغلقت بابه، وإلى مدينة لا تعرف ما حلّ بها.