الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
‏بين الكاتب والقارئ... حوار لا ينتهي


‏بين الكاتب والقارئ... حوار لا ينتهي

‏ ابراهيم المحجوب

 

‏ليست الكتابة كلمات تخرج من عقل الكاتب وتنتهي عند آخر السطر، وليست القراءة عيونا تمر على الحروف ثم تغلق الكتاب. بين الكاتب والقارئ حوار صامت لا يسمع صوته احد، لكنه قد يكون ابلغ من كثير من الحوارات التي تجري بالكلمات. الكاتب يكتب تجربته ورؤيته واسئلته، والقارئ يستقبلها من خلال تجربته وذاكرته ومشاعره، ولذلك قد يكتب الكاتب نصا واحدا ويقرأه مئة شخص، فيراه كل واحد منهم بصورة مختلفة.

الكاتب حين يمسك قلمه لا يعرف تماما الى اين ستذهب كلماته بعد ان تغادره. قد يكتب عن لحظة عاشها، او عن مكان عرفه، او عن انسان ترك اثرا في حياته، او عن عادة يخشى عليها من النسيان، ثم تأتي الكلمات لتعيش حياة اخرى في ذاكرة القارئ. وهنا تتحول الكتابة من ملكية صاحبها الى مساحة مشتركة بين من كتب ومن قرأ.

‏والقارئ ليس مجرد متلق للكلمات، بل هو شريك حقيقي في صناعة المعنى. فقد يرى في النص شيئا لم ينتبه اليه الكاتب نفسه، وقد يستعيد من خلال فقرة قصيرة ذكرى بعيدة، او وجها غاب، او بيتا قديما، او زمنا كان يظنه قد مات ثم اكتشف ان الكلمات قادرة على اعادته الى الحياة.

‏ومن تجربتي الشخصية في الكتابة، تعلمت ان القلم لا يعيش من اجل عدد القراءات وحده، بل من اجل الاثر الذي يتركه في انسان واحد على الاقل. خلال سنوات طويلة من الكتابة والنشر، كتبت عن الانسان والمكان والذاكرة والتراث والتاريخ، وكتبت عن قرى جنوب الموصل وبيوت الطين والعادات التي عشناها، وعن اشخاص عرفتهم وتركوا في الذاكرة شيئا يستحق ان يروى. وفي كل مرة كنت انشر فيها مقالا، كنت اشعر انني لا اضع كلمات على صفحة فقط، بل اضع جزءا من ذاكرتي امام القارئ، واترك له حرية ان يراها بعينيه وتجربته.

‏وكثيرا ما فاجاني قارئ برسالة او تعليق يخبرني ان سطرا كتبته اعاده الى بيت قديم، او ذكره بوالده او والدته، او جعله يتذكر قرية غادرها منذ سنوات، او موقفا ظن انه نسيه. عندها ادركت ان الكاتب قد يظن انه يكتب عن نفسه، بينما هو في الحقيقة يكتب عن كثيرين لا يعرفهم. وقد تكون كلمة بسيطة خرجت من تجربة شخصية قادرة على لمس ذاكرة انسان في مكان بعيد.

‏ولذلك لم تكن الكتابة بالنسبة لي مجرد هواية او وسيلة لملء الصفحات، بل كانت محاولة لحفظ ما اخشى عليه من الضياع. فالزمن سريع، والناس ترحل، والاماكن تتغير، والعادات تختفي، والذاكرة البشرية مهما كانت قوية معرضة للنسيان. لذلك حاولت من خلال ما اكتب ان اترك شهادة عن اشياء عشناها، وان امنح الماضي فرصة اخرى كي يتحدث مع الاجيال القادمة.

‏وقد تعلمت ايضا من القراء ان الكاتب لا يستطيع ان يرى نصه من زاوية واحدة. فهناك قارئ يصحح، واخر يناقش، وثالث يختلف، ورابع يكتفي بالصمت لكنه يتذكر. وكل هؤلاء جزء من رحلة النص. وربما تكون بعض الملاحظات التي تصلني سببا في ان اعيد النظر في فكرة او عبارة، لان القلم الذي لا يتعلم من قارئه يتحول مع الوقت الى قلم يكرر نفسه.

‏وقد يختلف القارئ مع الكاتب في فكرة او موقف او تفسير، وهذا امر طبيعي، لان النص لا يدخل الى عقول متشابهة. نحن نقرأ من خلال ما عشناه، وما فقدناه، وما احببناه، وما عانيناه. لذلك قد تكون الجملة نفسها عند قارئ مجرد كلمات، بينما تكون عند قارئ اخر بابا واسعا يفتح على سنوات من الذكريات.

‏والكاتب الذي يكتب عن الماضي والتراث والقرى والعادات والتقاليد يدرك اكثر من غيره قيمة هذا الحوار. فالكلمة التي تكتب اليوم قد تصبح وثيقة غدا، والصورة التي نستعيدها من ذاكرة الامس قد تكون شاهدا على زمن لم يعد موجودا. وعندما يقرأها انسان من جيل جديد، فانه لا يقرأ الماضي فقط، بل يحاول ان يفهم كيف عاش الذين سبقوه، وكيف كانت بيوتهم وعلاقاتهم وافراحهم واحزانهم، وما الذي تغير في حياتهم حتى وصلوا الى حاضرهم.

‏ومن هنا تصبح الكتابة مسؤولية، لان الكاتب لا يكتب لنفسه وحدها، والقارئ لا يقرأ لمجرد تمضية الوقت. هناك ذاكرة تنتقل، وتجربة تحفظ، وفكرة تولد، وربما موقف يتغير. وقد تكون مقالة صغيرة سببا في ان يتذكر انسان شخصا رحل، او مكانا تغير، او عادة اندثرت، او قيمة اجتماعية بدأت تغيب عن حياتنا.

‏ويبقى اجمل ما في العلاقة بين الكاتب والقارئ انهما قد لا يلتقيان وجها لوجه، لكنهما يلتقيان في مساحة اكثر عمقا، هي مساحة الكلمة. الكاتب يضع شيئا من روحه على الورق، والقارئ يمنحه حياة جديدة حين يقرأه ويتأمله ويتفاعل معه. وبين الروح التي كتبت والروح التي قرأت يستمر ذلك الحوار الذي لا يحتاج الى صوت، ولا يعرف نهاية.

‏فالكاتب يكتب اليوم، والقارئ قد يقرأ غدا، وبعد سنوات ربما يأتي قارئ اخر ليكتشف في الكلمات معنى جديدا لم يكن حاضرا يوم كتبت. وهنا تكمن قوة الكلمة الحقيقية... انها لا تعيش بعمر صاحبها، بل قد تعيش بعده، وتواصل الحديث مع اناس لم يعرفهم قط.

‏لهذا سأبقى مؤمنا ان الكتابة ليست نهاية الحديث، بل بدايته، وان القارئ ليس اخر محطة للكلمة، بل اول محطة لحياة جديدة لها. وما دام هناك كاتب يحمل سؤالا في قلبه، وقارئ يبحث عن معنى في السطور، فان الحوار بينهما سيبقى مفتوحا... حوارا لا ينتهي.


‏

 


مشاهدات 9
الكاتب ‏ ابراهيم المحجوب
أضيف 2026/09/29 - 2:15 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:53 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1752 الشهر 50862 الكلي 16583382
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير