الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من توجهات القراءة إلى آفاق القراءة القصدية


من توجهات القراءة إلى آفاق القراءة القصدية

عادل الثامري

 

بالمصطلحات الظاهراتية، كل فعل قراءة هو لقاء قصدي. فالوعي موجَّه دائماً نحو شيء ما. وكما يؤكد هوسرل، فإن أي قصد "نحو موضوع" في لحظة معينة لا يشمل فقط الموضوع كما يُقدَّم، بل يشمل أيضاً أفقاً نويماتياً (Noematic Horizon) . وهذا الأفق هو مجموعة المعاني والتوقعات والخصائص غير المرئية المحيطة بالموضوع الذي ندركه، والتي تمنحه سياقاً متكاملاً في وعينا. وبذلك، يمثل هذا السياق حقلاً من الاحتمالات غير المنجزة والضمنية في آنٍ واحد. وبمعنى آخر، حين يتناول القارئ نصاً ما، لا يبدأ وعيه من فراغ محايد، بل يكون محمَّلاً مسبقاً بالتوقعات والعادات والهموم. وهذه المحمولات بالذات هي ما يجعل جوانب بعينها من النص "تبرز للعيان"، بينما تتراجع جوانب أخرى إلى الخلفية.

هذا البناء الضمني — الذي يمكن تسميته الأفق القرائي القصدي — يحكم ما يلاحظه القارئ، وما يطرحه من أسئلة، وما يظل خفياً عليه. وهو ليس مجرد استراتيجية أو موقف، بل تشكيلٌ قبل-تأملي من الانتباه والتوقع والوجدان والانفتاح الأخلاقي والموقف المعرفي، تُعاش من خلاله مواجهة النص.

القراءة إذن فعلٌ مجسَّد ومتموضع. يرى ميرلو-بونتي أن الإدراك والمعنى يرتكزان على الجسد المعيش بوصفه "المحل الأول للقصدية." إذ يُسقط القوس القصدي للجسد ماضينا ومستقبلنا وبيئتنا وقيمنا على العالم. وكذلك الحال مع القارئ الذي تُسنده حالته المجسَّدة والتاريخية في كل قراءة. والنص المحدود لا يقدم سوى شظايا أو "خطاطات" لموضوعه؛ فلا بد لمخيلة القارئ أن تُحيي العمل الأدبي بصورة فاعلة. وقد احتج ولفغانغ إيزر في ظاهراتية القراءة لديه بأن العمل الأدبي لا يحيا إلا في "تقاطع النص والقارئ." فالنص يوفر مقاطع وثغرات تستلزم من القارئ أن يملأها بتداعياته الخاصة، وإلا بقي العمل ناقصاً وباهتاً. ووفق هذا المنظور، فإن توجُّه القارئ — مزاجه وبؤرة انتباهه ووجدانه — ليس عرضياً بل مُكوِّن للموضوع الأدبي ذاته.

وضمن القراءة النقدية، لاحظ الباحثون منذ أمد أن القراء غالباً ما يطورون "توجهات" وجدانية أو أمزجة — ريبة، أو أمل، وغير ذلك — تجاه النصوص. وما يُضيفه هذا الإطار الظاهراتي هو تعميق تلك الرؤية بتحديد البنى الكامنة خلف تلك التوجهات. فبدلاً من معالجة الريبة أو الأمل بوصفهما مجرد انفعالات، نُؤطرهما بوصفهما جانبين من الأفق القصدي الأشمل. وبدلاً من السؤال فحسب "ماذا يُخفي النص؟" (السؤال النقدي التقليدي)، نسأل أي نمط من الكينونة تجاه النص يجعل أشكالاً بعينها من السلطة مرئية أو خفية؟ وهذا ما يُحول النقد بعيداً عن الريبة الثابتة نحو تحليل العلاقة بين القارئ والنص ذاتها.

مكونات الأفق القرائي القصدي

يمكن استيعاب الأفق القصدي عبر خمسة أبعاد متشابكة تُشكّل معاً كيفية ظهور السلطة والإمكانية في القراءة. كل بُعد متجذِّر في الظاهراتية ومدعوم بأدبيات القراءة النقدية:

بؤرة الانتباه: لا يلاحظ القراء كل تفصيل في النص بدرجة متساوية. فثمة قراء معتادون على الانتباه إلى التناقضات الإيديولوجية والحذف وآثار الهيمنة (بؤرة ريبية كلاسيكية)، بينما ينجذب آخرون نحو لحظات الأمل والوجدان أو الإمكانيات الضمنية (بؤرة تصالحية أو ترميمية). فالأفق يحدد أي جوانب النص تصبح مقدِّمة وأيها يتراجع إلى الخلفية. ظاهراتياً، الانتباه ذاته سياسي: بتسليط الضوء على عناصر بعينها تستدعي صورة بعينها للسلطة، أما بتركيز الانتباه في مكان آخر فتبرز حقيقة سياسية مغايرة.

الموقف المعرفي: يتعلق هذا البعد بموقف القارئ تجاه المعرفة والحقيقة في النص. فقد ورثت القراءة النقدية ما يُعرَّف بـ"ابستيمولوجيا الشك"، التي تعود إلى بيداغوجيا باولو فريري (أو ما تعرف بالتربية النقدية) وتأويلية الشك عند ماركس ونيتشه وفرويد. وفي الأصل عملت الريبة بوصفها منهجاً لـ "كشف الإيديولوجيا" ومواجهة الوعي الزائف. لكنها قد تتصلّب إلى عادة شاملة. تُحذّر سيدغويك من أن تطبيق تأويلية الشك كثيراً ما يُعامَل بوصفه أمراً واجباً وليس مقاربة ممكنة من بين مقاربات أخرى. وقد حوّل هذا الانزياح الريبةَ إلى وثيقة اعتماد: فغدا النقد مرادفاً لإزاحة الأقنعة وانعدام الثقة. وبإمكان الأفق الظاهراتي القصدي أن يتشكّك في هذا الافتراض. نستطيع أن نُقرّ بقيمة الريبة في كثير من السياقات، مع رفض جعلها النهج الوحيد الممكن.

التنظيم الوجداني: كل قراءة مشبعة بالانفعال أو الوجدان الذي يُنظِّم التأويل بصورة فاعلة. يُظهر تمييز سيدغويك بين القراءة "الارتيابية" والقراءة "الترميمية" كيف تُشكّل مشاعر مختلفة نتائج مختلفة. فالقارئ الارتيابي يتسم بـإصرار قلق ومعرفي على رؤية الأهوال في كل مكان، مما يُفضي إلى استحالة المفاجأة. في المقابل، يُسلِّم القارئ التصالحي ذلك التحكم القلق ويُتيح مفاجأة حقيقية وحتى أملاً. ووفق رأيها، يسمح الموقف التصالحي للقراء بــاستيعاب إمكانيات مؤلمة وعميقة ومُريحة وبالغة الأهمية أخلاقياً، مع الإبقاء على "الحب والأمل" في مواجهة الظلم. وبصفة عامة، تُولِّد الريبة النقدية عادةً يقظة وانعداماً للثقة، وفي المقابل، تعمل القراءة الكريمة أو التصالحية على تجذير أفق من الفضول والتعاطف والانفتاح في وعي المتلقي.

الانفتاح الأخلاقي: يتعلق هذا البعد بالموقف الأخلاقي للقارئ تجاه غيرية النص وفاعليته. فكثيراً ما تُعامِل القراءات الريبية النص كمشتبه به أو مجرم: يغدو القارئ محققاً أو مدعياً عاماً يستجوب دوافع المؤلف. لكن بإمكان توجهات بديلة أن تُغيّر هذا الوضع تغييراً جذرياً. يُعامِل الموقف الكريم أو المتصالح النص بوصفه شريكاً في الحوار — حديثٌ بين مؤلف وقارئ. يرحّب المرء بالنص، ويتفاعل مع إبداعه بدلاً من مجرد الكشف عن إخفاقاته. ويقترح الموقف الظاهراتي معاملة النص بوصفه حدثاً أو لقاءً، شيئاً يقع للقارئ والنص معاً، وليس موضوعاً ساكناً يُشرَّح.

أفق الإمكانية: أخيراً، لا بد للأفق الظاهراتي من مراعاة الإمكانيات التي تُتيحها كل قراءة للرؤية. كثيراً ما يُعلي النقد التقليدي من شأن الكشف عن حقيقة مخفية: الهدف إظهار ما كان حاضراً طوال الوقت لكنه مُتنكَّر. أما الأفق الموسَّع فيطرح سؤالاً إضافياً: أي مستقبلات أو تخيلات تغدو ممكنة التصور من خلال هذا اللقاء؟ والموقف الظاهراتي إذن يُصغي إلى كيفية انزياح القراء نحو عوالم جديدة. فتحت الريبة تتمحور سياسة القراءة حول الكشف عن السلطة؛ أما تحت المواقف التوليدية أو الإيجابية، فقد تتمحور حول الاعتراف والتوق أو الرغبة.

يُجسِّد الأفق القرائي القصدي طريقة القارئ المتموضعة في الرؤية: بؤرة انتباهه وموقفه ومشاعره وأخلاقه ومداه التخيلي. وعبر هذا التوجه المركَّب تُدرَك السلطة والإمكانية في النصوص. لا أفق محايد؛ كل أفق انتقائي. والتحرك النظري الأساسي هو أن القراءة النقدية يجب أن تُحلِّل هذه الآفاق ذاتها، وليس المحتوى النصي وحده.

الآفاق القرائية القصدية

يمكن تمييز الآفاق القصدية المختلفة من خلال المشاعر السائدة وأسئلتها الموجِّهة ومنطقها السياسي. يُقدِّم الجدول التالي تصنيفاً يعكس تنوع المواقف الممكنة:

 

المنطق السياسي

السؤال الأساسي

الوجدان السائد

الأفق

الهيمنة

ما الذي يُخفى؟

اليقظة

الريبي

الإمكانية

ما الذي يصمد هنا؟

الأمل

التصالحي

الاعتراف

ما الفاعلية الظاهرة؟

الانفتاح

الكريم

الموافقة / الرغبة

لماذا يهم هذا؟

الارتباط

الإيجابي

السلطة الموقفية

أي توجه مطلوب؟

المرونة

التكتيكي

التجربة المعيشة

كيف تظهر السلطة؟

التيقظ

الظاهراتي

 

يرفض هذا النموذج اختزال القراءة النقدية في ثنائية (ريبة مقابل إصلاح). بل يستحضر بيئةً قرائية تعددية. فمثلاً، قد يبدأ القارئ بالريبة، ثم ينتقل إلى الإصلاح أو الإيجاب أثناء القراءة، أو يتبنى مزيجاً تكتيكياً بحسب السياق.

آليات التوجه القرائي الظاهراتي

بناءً على الأطروحات الظاهراتية لإدراك النص ونقد أساليب التفكيك الريبية، هناك أداة منهجية تطبيقية يمكن ان نطلق عليها آليات التوجه القرائي الظاهراتي.  تهدف هذه الآليات إلى نقل بؤرة التحليل من النص كبنية مغلقة إلى العلاقة الدينامية بين القارئ والنص. وهو يرشد القراء (أو الباحثين الدارسين لتجربة القراء) عبر ست مراحل تأملية منظمة ومتسلسلة على النحو الآتي:

التسجيل الوجداني (Affective Logging) : تبدأ الآلية برصد مشاعر القارئ الأولية عبر طرح السؤال: "ما الذي أشعر به حين أبدأ قراءة هذا النص؟" (مثل: خوف، فضول، غضب، أو نفور). تُسهم تسمية هذه المشاعر وتوثيقها في الكشف عن التحيزات المسبقة والوعي بها قبل التوغل في عملية التأويل.

تشكيل الثقة والريبة  : تتتبع هذه المرحلة لحظات اليقين أو التردد أثناء العبور في النص عبر تساؤل القارئ:  أين في النص أميل إلى تصديق المؤلف، وأين يساورني الشك؟ يكشف هذا المسح الجغرافي للوعي أي أجزاء من الأفق الإدراكي تقود عملية التأويل، سواء نحو التصديق والانغماس أو نحو الاستجواب والمقاومة.

تتبع حركات الانتباه : تركز هذه الخطوة على رصد الدينامية الحركية للوعي، وما ينتقل منه إلى المقدمة (البؤرة) أو يتراجع إلى الخلفية (الأفق) مع الوقت؛ بالتركيز على سؤال: أي التفاصيل والمضامين والكلمات تبرز لي، وأيها يخبو؟ كيف تتحرك بؤرة انتباهي؟ وتُظهر هذه المراقبة الكيفية التي يتشكل بها الانتباه القصدي أثناء القراءة حيال البنى النصية المختلفة.

تحديد تحولات الأفق : تهدف هذه المرحلة إلى ملاحظة أي تغييرات مفصلية في موقف القارئ وتوجهه الفكري أو الشعوري؛ حيث يسأل القارئ نفسه: متى ولماذا يتحول توجهي — من الريبة إلى التعاطف، أو من النقد والتفكيك إلى التقدير والقبول؟ إن رصد هذه النقاط الفارقة يُسهم في تعرية الكيفية التي يتحول بها أفق القارئ ويتسع بفعل المحتوى.

إعادة القراءة في ظل آفاق بديلة: تتطلب هذه الخطوة إعادة تأويل المقاطع بموقف فكري مختلف بصورة فاعلة وقصدية. فبعد قراءة ريبية أولى (تفكيكية) مثلاً، يحاول القارئ إعادة القراءة بعقلية تصالحية أو كريمة أو إصلاحية، ويتساءل: إذا افترضت حسن النية (أو الإبداع المحض) بدلاً من التلاعب أو الخداع الأيديولوجي، كيف يتحول فهمي للنص؟

مقارنة المعاني المُنتَجة: في المرحلة الختامية، يجري القارئ أو الباحث مقارنة تحليلية بين المعاني والتأويلات التي أفرزها كل توجه قرائي (الريبي مقابل التصالحي). يُبرز هذا التباين كيف يُشارك الأفق القصدي للوعي في إنتاج التفسير وصياغة المعنى، ليصبح موضوع التحليل النهائي ليس النص بمفرده، بل العلاقة التفاعلية الحية بين القارئ والنص عبر القراءات المتعددة.

ظاهراتية القراءة

ان الانتقال إلى ظاهراتية الممارسات القرائية يقتضي منا التخلي عن افتراض أن النقد يساوي إزاحة الأقنعة. كما تُذكِّرنا سيدغويك وفيلسكي، فقد غدا الاستجواب والريبة "سيِّدَين" معتادَين على التأويل. ولكسر هذا الغلاف، يجب على القراءة النقدية ألا تسأل فقط "ماذا يُخفي النص؟" بل أيضاً "أي موقف قرائي يجعل هذا الجانب من السلطة مرئياً؟" وبهذا يتحول النقد ليصبح نقداً لشروط الرؤية.

فمن خلال بعض الآفاق تكشف النصوص عن أنظمة الهيمنة؛ ومن خلال آفاق أخرى تكشف عن استراتيجيات البقاء والرغبات والارتباطات ومجتمعات المعنى. وليس منهج واحد يستنفد الحياة السياسية للنصوص.

ان اعتماد الأفق القصدي يُحوِّل القراءةَ النقدية إلى ظاهراتية للقراءة. يتجه البحث نحو كيفية تشكيل الانتباه والوجدان والتجسيد والأخلاق لما نُسميه معرفةً وسلطة في النصوص. ويدعو القراء إلى التأمل في موقفهم الخاص — والإقرار بأن النص "الموضوعي" دائماً ما يُواجَه عبر أفق بعينه. هذا التأمل لا يرفض الريبة أو الكشف النقدي، بل يُوقّعهما بوصفهما خيارات من بين خيارات كثيرة. وبتبني هذه المقاربة التعددية الظاهراتية، يمكن للقراءة النقدية أن تصبح أكثر استكشافية: لا تراقب النصوص وحدها، بل تُصغي إلى الارتباط بين النص والقارئ، وإلى الحقائق السياسية المتعددة.

 

المراجع

Felski, Rita. 2008. Uses of Literature. Malden, MA: Blackwell Publishing.

Felski, Rita. 2015. The Limits of Critique. Chicago: University of Chicago Press.

Reynolds, Jack. n.d. "Maurice Merleau-Ponty." In The Stanford Encyclopedia of Philosophy, edited by Edward N. Zalta and Uri Nodelman. Stanford University. Accessed May 24, 2026. https://plato.stanford.edu/entries/merleau-ponty/.


مشاهدات 11
الكاتب عادل الثامري
أضيف 2026/09/28 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 12:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 39 الشهر 49149 الكلي 16581669
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير