ثمـة أوطـان تسڪنهـا الشعـوب وثمـة أوطـان تسڪن الشعـوب إلـى الأبـد والعـراق مـن النـوع الثـانـي
قـاسـم جبـار علـوان
رأيـت هـذه الصـورة منشـورةً مـن أحـد الإخـوة فتـوقفـت عنـدهـا طـويـلاً لا لأننـي أراهـا صـورةً تختصـر واقـع العـراق ولا لأننـي أريـد أن أُسلـم لهـا ڪحقيقـةٍ نهـائيـة وإنمـا لأن بعـض الصـور لا تـرسـم لتصـف الـواقـع فقـط بـل لتستفـز فينـا السـؤال هـل هـذا هـو العـراق الـذي نـريـده؟
رجـلاً يجلـس منڪسـراً وأمـامـه مـا يشبـه الهـروب مـن الـوجـع وأمـامـه صـورة وطـنٍ عظيـم مشهـد مـوجـع نعـم لڪنـه بـالنسبـة لـي ليـس قـدراً أرضـى بـه ولا مستقبـلاً أقبـل أن نـورثـه لأبنـائنـا
فنحـن ڪمثقفيـن لا ينبغـي أن تڪون مهمتنـا أن نـرسـم اليـأس ثـم نغـادر ولا أن نعـدد مـواطـن الإنڪسـار حتـى نعتـادهـا بـل أن نـرى الجـرح ثـم نبحـث عـن الطـريـق الـذي يمنـع تحـولـه إلـى قـدر
العـراق ليـس بلـداً مـر عليـه التـاريـخ العـراق هـو المڪان الـذي مـر فيـه التـاريـخ ذاتـه
هنـا خـرج الحـرف مـن الطيـن وهنـا عـرف الإنسـان معنـى أن يحفـظ فڪرتـه مـن النسيـان
وهنـا ڪان دجلـة والفـرات أڪثـر مـن نهـريـن
ڪانـا ذاڪرةً تجـري وروحـاً لا تتـوقـف
دجلـة رأى الملـوك يـأتـون ثـم يـرحلـون ورأى المـدن تعلـو ثـم تنحنـي وحمـل فـوق مـائـه أفـراح العـراقييـن وأحـزانهـم لڪنـه لـم يتـوقـف
والفـرات بڪل مـا حمـل مـن عطـشٍ وصبـرٍ وحڪايـات بقـي يقـول لنـا بصمتـه الطـويـل المـاء لا ينتصـر لأنـه لا يـواجـه العـوائـق بـل لأنـه لا يتـوقـف عـن المضـي
وهـذه ربمـا هـي الحڪمـة التـي نحتـاجهـا اليـوم نعـم لـدينـا مـا يـؤلـم ولـدينـا مـا يخجـل ومـا يستحـق النقـد ومـا يستحـق الإصـلاح
لڪن أخطـر مـن الخـراب نفسـه أن نعتـاد الخـراب وأخطـر مـن الفقـر أن نفقـد الأمـل وأخطـر مـن الجهـل أن نقتنـع بـأن لا سبيـل إلـى المعـرفـة
نحـن أبنـاء حضـارةٍ عظيمـة
ولڪن الحضـارة ليسـت وسـامـاً نعلقـه علـى صـدر المـاضـي الحضـارة أمـانـة
فـإذا ڪان أجـدادنـا قـد ڪتبـوا أول الحـروف فمـاذا سنڪتـب نحـن؟
وإذا بنـوا المـدن فـأي إنسـانٍ نبنـي نحـن؟
وإذا تـرڪوا لـلعـالـم علمـاً وفڪراً وقـانـونـاً
فمـاذا سنتـرك نحـن لأطفـالنـا؟
وهنـا يـأتـي دور المثقـف الحقيقـي
وليـس المثقـف مـن يصـف الظـلام ببـراعـة بـل مـن يستطيـع أن يشعـل فـي الظـلام سـؤالاً يقـود إلـى النـور فليـس مـن واجبـه أن يجمـل الـواقـع ولا أن يخفـي أخطـاءه بـل أن يـواجههـا بعقـلٍ حـر ثـم يـزرع فـي الجيـل الجـديـد يقينـاً بـأن الإصـلاح ممڪن وأن الإنسـان يستطيـع أن يبـدأ مـن النقطـة التـي ظـن الجميـع أنهـا النهـايـة
لـذلـك فـإننـي لا أرى هـذه الصـورة دعـوةً إلـى الإستسـلام بـل أراهـا فـرصـةً لنقـول لـن نسمـح لـلصـورة أن تصبـح مصيـراً ولـن نـربـي أبنـاءنـا علـى أن العـراق وطـن يبڪى عليـه بـل علـى أنـه وطنـاً يبنـى فلـن نـورثهـم الخيبـة بـل الـوعـي ولـن نعطيهـم تـاريخنـا ليعيشـوا فيـه بـل نعطيهـم تـاريخنـا ليعـرفـوا ڪيـف يصنعـون تـاريخهـم فـالعـراق لا يحتـاج إلـى مـزيـدٍ مـن الـذيـن ينـدبـون مـاضيـه بـل إلـى جيـلٍ يـؤمـن أن المـاضـي العظيـم لا يڪرم بـالبڪاء عليـه وإنمـا بصنـاعـة حـاضـرٍ يليـق بـه
وسيظـل دجلـة يمضـي وسيظـل الفـرات يمضـي وڪأن النهـريـن يعـرفـان مـا لا نعـرفـه أن الطـريـق قـد يطـول وأن الأرض قـد تتعـب وأن الإنسـان قـد ينڪسـر لڪن الحيـاة لا تمنـح أسـرارهـا لمـن يستسلـم
ولهـذا ستبقـى مهمتنـا نحـن الـذيـن نحمل الڪلمـة أن نضـع أمـام هـذا الجيـل نـافـذةً حيـن يڪثـر الجـدار وسـؤالاً حيـن يڪثـر التلقيـن وأمـلاً حيـن يڪثـر اليـأس
فمـا دام فـي العـراق طفـل يتعلـم وشـاب يحلـم
ومثقـف يڪتـب بضميـر وإنسـان يـرفـض أن يبيـع عقلـه أو ڪرامتـه فـالعـراق لـم يقـل ڪلمتـه الأخيـرة بعـد ولعـل أجمـل مـا يمڪن أن نقـولـه لهـذه الصـورة ولأنفسنـا لا نـريـد عـراقـاً يصـور ڪمـا هـو فقـط بـل عـراقـاً نشـارك جميعـاً فـي جعلـه ڪمـا ينبغـي أن يڪون
والصـورة أدنـاه رأيتهـا منشـورةً مـن أحـد الإخـوة فـأحببـت أن أوضـح الفڪرة لا أڪثـر فليسـت غـايتـي رفـض الـواقـع أو إنڪاره وإنمـا أرفـض أن يتحـول الـواقـع المـؤلـم إلى قنـاعـة والقنـاعـة إلـى إستسـلام.